الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012علماء القيروان والدولة العبيدية (1)
 
الخميس 16 أغسطس 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

علماء القيروان والدولة العبيدية (1)
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

ليس التاريخ، إذا استثنينا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحبه رضوان الله عليهم، من مواد التشريع والاستنباط، ولكنه بلا شك من عوامل شحذ الهمم وتقوية العزائم، ومن مواد الاعتبار والاتعاظ.

وفي تاريخ المسلمين من شواهد الرجولة والبطولة ما لو تدبرت فيه أمتنا اليوم لاتعظت، وما لو اطلعت عليه لاعتبرت، فيزداد إيمانها بأن الصراع بين الحق والباطل سنة جرت على من قبلهم، وتجري عليهم وعلى من بعدهم، والعاقبة للمتقين. فقد شاء ربنا سبحانه وتعالى أن يبتلي عباده بالخير والشرّ فتنة، ليعلم ممن ابتلاه بخير مدى شكره، وممن ابتلاه بشر مدى صبره {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} (آل عمران).

ومن شواهد الرجولة والبطولة في تاريخ الأمة الإسلامية علماء القيروان الذين وقفوا في وجه الدولة العبيدية الخبيثة، وتحملوا الأهوال والشدائد من أجل إزالتها وإعادة الاعتبار للإسلام. فما هي الدولة العبيدية وكيف قاومها علماء القيروان؟ .

الدولة العبيدية

"الدولة العبيدية أو ما تسمى بالدولة الفاطمية أُسست في تونس سنة 297هـ وانتقلت إلى مصر سنة 362هـ واستقرت بها، وامتدت إلى أجزاء هامة من العالم الإسلامي حيث شمل سلطانها الشام، والجزيرة العربية، وحاولت الوصول إلى بغداد" (1). "ففي ما بين 288هـ إلى 289هـ وصل أبو عبد الله الشيعي الرجل الداهية المراوغ الماكر صاحب الحيل العجيبة إلى مكة, وبحث عن وفود المغاربة التي جاءت للحج واستطاع أن يتعرف على حجيج كتامة, وتقرب إليهم بما أظهره لهم من زهد وفقه وعلم, وتمكن هذا الداعية من قلوب الشيوخ الكتاميين, ورجع معهم موهمًا إياهم أنه يريد مصر لتعليم الأولاد القرآن, وعرضوا عليه الذهاب معهم إلى المغرب, فأظهر عدم الرغبة, ثم بسياسته الماكرة لبى طلبهم ونزل في القيروان ليبحث عن مواطن الضعف في دولة الأغالبة, ويجمع المعلومات لمعرفة أقوى القبائل, وما هي الوسائل النافعة للدخول في بلاد المغرب, وبعد أن أيقن أن أقوى القبائل في المغرب هي الكتامية قرر الذهاب إلى بلدة تسمى «إيكجان» وهي بلدة في جبل وعر, وعرف أنها منازل قبيلة «سكتاتة» التي هي بطن من بطون كتامة, ونهج في حياته نهج المعلم المؤدب الورع, وسلك سلوك الزهد والعفاف حتى تملك قلوبهم, واشتهر صيته, وأقبلت عليه القبائل البربرية وتصدى لتعليمهم وتفقيههم المذهب الشيعي, ثم دخل في الأمور السياسية ونظام الحكم ودور الإسلام في الحكم بالشورى, وفضل العلويين وأحقيتهم في الحكم.

وبسبب الظلم الذي مارسته دولة الأغالبة على الناس استجابت بعض القبائل للداعية الشيعي الذي رأوا فيه المخلص وبدأ الصدام مع الأغالبة, وانتقل أبو عبد الله الشيعي إلى حصن منيع في جبال الأوراس في بلدة «تازروت» ومن هناك كان يوجه الضربات المتتالية لدولة الأغالبة, واعتمد في ذلك على فضح الأغالبة ونشر ظلمهم, وبيان أن حكمهم خارج عن الإسلام وشريعة الرحمن, وأثار الأحقاد القديمة بين الدولة الأغلبية وبعض القبائل, وأعطى عهودًا ومواثيق لرجال وزعماء كتامة أن المستقبل والدولة والتمكن لهم, فخضعت له القبائل وتوالت المدن في السقوط, وغنم غنائم عظيمة واشتد حماس أتباعه, وساعده على ذلك انحلال وضعف دولة الأغالبة وانغماسهم في الترف, وتذمر الناس من الأمراء ومن ظلمهم, وأظهر أبو عبد الله من الحزم والشجاعة والمقدرة السياسية والكفاءة العسكرية ما جعله ثقة لمن حوله من القادة والجنود, فأعطاه ذلك شعورًا بأن الوقت حان لكشف دعوته بأن يدعو للرضي من آل البيت النبوي الذي سيظهر عن قريب وتولى أمور الحكم.

واستطاع أبو عبد الله الشيعي أن يستولي على جميع النقط الحربية ما بين حصنه في جبال الأوراس حتى عاصمة الأغالبة.

وفي أوائل جمادى الأولى عام 296هـ/909م سقطت مدينة الأريس في يد قوات أبي عبد الله الشيعي, وهذه المدينة هي مفتاح دخول القيروان العاصمة السياسية للبلاد, فعجل زيادة الله الأخير بالرحيل إلى مصر في جمادى الآخرة عام 296هـ, ودخل أبو عبد الله الشيعي القيروان.

وأعلن أبو عبد الله إثر هذا النصر الحاسم على الأغالبة أن الإمام الحقيقي للمسلمين هو عبيد الله المهدي وأنه قريبًا سيصل إلى بلاد المغرب ويظهر العدل والمساواة, فانضم إليه بعض قواد الأغالبة, وأصبح جيشه مائتي ألف مقاتل لكي يدافعوا عن المذهب الشيعي الإسماعيلي والدولة الجديدة, ومعلوم من دراسة التاريخ أن الانتصارات تستحوذ على عوام الناس ويظنون أن المنتصر على الحق, ومع الإشاعة الشيعية القوية والانتصارات الملموسة وإيمان الناس بالمهدي المنتظر, أصبح الناس قادة وجنودًا لا رأي لهم, ولا عقل, بل مثل الآلات في التنفيذ, وحاول أبو عبد الله الشيعي أن يعتمد في نشر مذهبه بالدعاية والمناظرة لإقناع علماء السنة والجماعة من أمثال عثمان بن سعيد الحداد, إلا أنه أسقط في يديه عندما أقاموا الحجة عليه وعلى دعاته, ولذلك اضطر أخو أبي عبد الله الشيعي «أبو العباس» أن يستخدم القوة لقلع مذهب أهل السنة والجماعة من عاصمة الشمال الإفريقي, فمارس مع علماء أهل السنة أصناف العنف والشدة والتعذيب وضربوا الفقهاء بالسياط وقطعوا ألسنة بعضهم, وضربوا الرقاب, وقطعوا أجزاء الجسم إلى عدة أجزاء, وصلبوا الفقهاء, وصادروا الأموال, وبطحوا الناس على ظهورهم وأمروا عبيدهم بأن يدوسوهم بالأقدام ، واشتد الصراع المذهبي, وهز الدولة الوليدة فتدخل الداهية أبو عبد الله الشيعي ومنع المناظرة والمجادلة حسمًا للصراع وعزل أخاه عن ولاية القيروان.

ونجح أبو عبد الله الشيعي في تثبيت دعائم الحكم في القيروان بواسطة زعماء قبيلة كتامة وخصوصًا سيدهم ومطاعهم «غزوية بن يوسف» وأخاه وبقية قومه, وأرسل إلى عبيد الله المهدي وابنه القاسم للمجيء إلى القيروان, وشد عبيد الله من الشام رحله «من مدينة سلمية» إلى مصر, ثم برقة, ثم طرابلس متخفيًا في ثياب التجار, ولفقت قصص عجيبة في نجاته من ولاة الدولة العباسية, ووقع في أسر بني مدرار أمراء سجلماسة.

واستطاع أبو عبد الله الشيعي الصنعاني في 297هـ/910م أن يجهز جيشًا ضخمًا حطم به دولة بني مدرار وخلص عبيد الله المهدي وابنه من السجن, وفي طريق عودته مر الجيش بتاهرت وأزال دولة بني رستم في عام 297هـ/910م وأصبح المغرب الأوسط إلى تلمسان دولة عبيدية.

وتولى عبيد الله المهدي الذي أعلن قيام الدولة الفاطمية التي نسبها إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لخداع الناس وتضليلهم.

وبدأت الدولة الفاطمية المزعومة تسعى للقضاء على الخلافة العباسية خصوصًا بعد أن تمكنوا من القضاء على دولة بني مدرار في سجلماسة, ودولة رستم في تاهرت, ودولة الأغالبة في إفريقية «تونس».

وكانت بيعة عبيد الله المهدي في القيروان عام 297هـ/ 910م وانتهت ولاية أبي عبد الله الشيعي بعد أن دامت عشر سنوات على قول بعض المؤرخين".(2).



حقيقة الدولة العبيدية ومؤسسها

قال أبو شامة‏ المقدسي:‏ "ويدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام فصاروا يقولون الدولة الفاطمية والدولة العلوية وإنما هي الدولة اليهودية والمجوسية الملحدة الباطنية‏.‏ قال‏:‏ وقد ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر وأنهم لم يكونوا لذلك أهلا ولا نسبهم صحيحًا ، بل المعروف أنهم بنو عبيد ، وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي‏.‏ قال‏:‏ وقيل إن والد عبيد هذا كان يهوديًا من أهل سلمية وكان جوادًا‏ ، وعبيد كان اسمه سعيدًا فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله ، وادعى نسبًا ليس بصحيح ، قال ذلك جماعة من علماء الأنساب‏، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك المغرب وبنى المهدية وتلقب بالمهدي ، وكان زنديقًا خبيثًا عدوًا للإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة،‏ وقد بين نسبهم جماعة مثل القاضي أبي بكر الباقلاني فإنه كشف في أول كتابه المسمى بكشف أسرار الباطنية عن بطلان نسب هؤلاء إلى علي - رضي الله عنه - وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد استقصى الكلام في أصولهم‏".(3)‏

وقال ابن خلكان: "والمحققون ينكرون دعواه في النسب, وينصون على أن هؤلاء المنتسبين بالفاطميين أدعياء, وأنهم من أصل يهودي من سلمية بالشام, وأن والده لقب بالقداح, لأنه كان كحالاً يقدح العيون, وقد هلك عبيد الله سنة 322هـ, وتمكن حفيده المعز من الاستيلاء على مصر, واستمر ملك العبيديين نحو قرنين من الزمان إلى أن قضى عليهم بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في سنة 564هـ, وأزال منها كل آثار العبيديين, وقطع شرورهم عن الناس وأراح الله العباد منهم".(4).

وقال الحافظ الذهبي: "وفي نسب المهدي أقوال: حاصلها أنّه ليس بهاشميّ ولا فاطميّ". وقال: "وأهل العلم بالأنساب والمحقّقين يُنكرون دعواه في النّسبِ". وقال: "وفي سنة (444هـ) عُمِل محضر كبير ببغداد، يتضمن القَدْح في نسب بني عُبَيْد، الخارجين بالمغرب ومصر، وأن أصلهم من اليهود، وأنهم كاذبون في انتسابهم إلى جعفر بن محمد الصادق رحمه الله، فكتب فيه خلق من الأشراف والشيعة والسنة وأولي الخبرة". (5)

كفر العبيدية:

قال الشاطبي: "ويحكى عن الشيعة أنها تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن أهل بيته ومن دان بحبهم جميع الأعمال ، وأنهم غير مكلفين إلا بما تطوعوا ، وأن المحظورات مباحة لهم كالخنزير والزنا والخمر وسائر الفواحش وعندهم نساء يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر ، وينكحون ما شاؤوا من الأخوات والبنات والأمهات لا حرج عليهم في ذلك ولا في تكثير النساء ، وهؤلاء هم العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية".(6)..

وقال السيوطي في (الفتن التي كانت في كل قرن) : "في المائة الثالثة: خروج القرمطي وناهيك به ثم فتنة المقتدر لما خلع وبويع ابن المعتز وأعيد المقتدر ثاني يوم وذبح القاضي وخلقا من العلماء ، ولم يقتل قاض قبله في ملة الإسلام ، ثم فتنة تفرق الكلمة وتغلب المتغلبين على البلاد ، واستمر ذلك إلى الآن ، ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية ، وناهيك بهم إفسادا وكفرا وقتلا للعلماء والصلحاء".(7)..

وقال الذهبي: "وأما العبيديون الباطنية فأعداء الله ورسوله". وقال أيضا: "لا يوصف ما قلب هؤلاء العبيديون الدين ظهراً لبطن".(8).

وقال القاضي عياض: "ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينا الأعمى السبّاب لعنه الله تعالى، في الأسواق، للسب بأسجاعٍ لُقِّنها ، يوصل منها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم، في ألفاظ حفظها ، كقوله لعنه الله تعالى: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى، وغير ذلك ، وعلقت رؤوس الأكباش والحمر، على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة، مكتوب فيها أسماء الصحابة، اشتد الأمر على أهل السنة".(9)..

وقال ابن تيمية: "فأمر هؤلاء العبيدية المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفي على مسلم ، ولهذا جميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرؤون منهم ، فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم ، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين".(10) ..

وقال ابن القيم (في المجوس): "ومنهم الخرمية: أصحاب بابك الخرمي ، وهم شر طوائفهم لا يقرون بصانع ولا معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام ، وعلى مذهبهم: طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والبشكية والدرزية والحاكمية وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية وهم من أكفر الكفار".(11)..

يتبع إن شاء الله تعالى....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

(1) ينظر (موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية، نسبا ومعتقدا)، للدكتور سعد بن موسى الموسى، "مجلة جامعة أم القرى"، العدد 24، ربيع الأول 1423هـ \ مايو (آيار) 2002م.

(2) نقلا عن (الدولة الفاطمية)، للدكتور علي محمد الصّلاّبي، ص33-35

(3) نقلا عن (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)، لابن تغري بردي، ج2 ص309

(4) نقلا عن (الدولة الفاطمية)، للصّلاّبي، ص 36

(5) نقلا عن (موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية، نسبا ومعتقدا)، للدكتور سعد بن موسى الموسى.

(6) ينظر (الاعتصام)، للشاطبي، ج2 ص 44

(7) ينظر (تاريخ الخلفاء)، للسيوطي، ص526

(8) نقلا عن (موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية، نسبا ومعتقدا)، للدكتور سعد بن موسى الموسى.

(9) ينظر (ترتيب المدارك وتقريب المسالك)، للقاضي عياض، ج2 ص29

(10) ينظر (منهاج السنة)، لابن تيمية، ج6 ص343

(11) ينظر (إغاثة اللهفان)، لابن القيم، ج2 ص 243

المصدر : مجلة الزيتونة


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 علماء القيروان والدولة العبيدية (1)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7