الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012عناية البلدانيين بجزيرة العرب.. أبعادها وغاياتها
 
السبت 4 أغسطس 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

عناية البلدانيين بجزيرة العرب.. أبعادها وغاياتها

د.خالد فهمي

كان للارتباط بين الإسلام والعرب في أكثر من ملمح أثر ظاهر في الحفاوة بكل عوالق هذه المفردة المركزية في الاتجاهات كافة، وطالت مناطق متعددة أنتجت معرفة شديدة الثراء لسانيًّا، وحضاريًّا، وجغرافيًّا، وتاريخيًّا، على الأقل، حتى غدا العلم بخصائص العرب، والإحاطة بما يتعلق بهم أمرًا ضروريًّا لتمام المعرفة بالإسلام.

ولعل أجلى مظاهر هذه الحفاوة هو ما يواجهنا في ميدان الدرس اللساني أو اللغوي، إذ كان إعلان الذكر الحكيم في مواضع كثيرة أنه نزل بلسان عربي مبين إيذانًا بنشاط جبار وغير مسبوق في تاريخ العلم الإنساني بالعناية بجمع اللغة العربية والتصنيف فيها ودراستها، والتقعيد لنظامها، والجد في استنباط خصائصها على المستويات المختلفة.

وهذا الذي حدث في ذلك المجال على هامش قوله تعالى {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون} (يوسف 12/2) وأمثال له كثيرة، (انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبدالباقي، دار الحديث بالقاهرة سنة 1417هـ= 1996م ص 559)، غير فريد في بابه، ولكنه معروف في الميادين العلمية كلها، بحيث نستطيع أن نقرر أن واحدًا من أسباب نهضة العلم باللسان العربي كان هو إرادة خدمة الكتاب العزيز، إن بطريق مباشرة، وإن بطريق غير مباشرة.

(1) أبعاد عناية البُلْدانيين بجزيرة العرب

لقد افتتحت أدبيات كثيرة باب القول في خدمة أغراضها العلمية بسؤال يستمد وجاهته من الارتباط بخدمة فهم الإسلام، كان هذا السؤال يبحث عن أسرار الاختيار الرباني لجزيرة العرب وللسان العرب ولرجل من العرب محضنًا أول لانطلاق الدين الخاتم، وهو الأمر الذي أسهم في تفجير ثورة معرفية بكل المقاييس، ومن دون مبالغة في استعمال هذا التعبير، وهو بعض الذي أسهم كذلك في ظهور عناية الجغرافيين العرب بتحديد جزيرة العرب تحديدًا جغرافيًّا يقيس أبعادها، ويعين طرقها، ويسمي مواضعها، وهو ما انعكس في أشكال متنوعة يأتي في مقدمتها ما يلي:

بيان حدودها الجغرافية إجمالًا

وهو ما ظهر في المعاجم البلدانية المختلفة، بحيث تعاملت هذه المعاجم مع جزيرة العرب بحسبانها مدخلًا معجميًّا، وازدادت تحته المعلومات المختلفة الكافية في بيان حدودها ومعالمها، وهو ما تجد أمثلة له في صنيع أبي عبيد البكري الأندلسي 487هـ، حيث افتتح معجمه الجغرافي «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» بالحديث عن جغرافية جزيرة العرب، يقول 1/5: «وأنا أبتدئ الآن بذكر جزيرة العرب»، ثم عاد فصنع لها مدخلًا بحسب ترتيب مداخله مرة أخرى، أحال فيه على الموضع الأول.

وهذا الافتتاح ربما يعكس بعضًا مما لمسناه في افتتاح مقالتنا هذه.

وهو الأمر الذي صنعه ياقوت الحموي 626هـ في معجم البلدان الذي هو أشهر المعاجم البلدانية إطلاقًا، حيث صنع لها مدخلًا 2/137 (طبعة صادر 1995م) أحاط فيه بحدودها وتقاسيمها.

ولم تقف عناية هذه المعاجم البلدانية عند بيان الحدود والتقاسيم الإجمالية فقط، وإنما عنيت بكل موضع وبقعة ومحلة مفردة، وصنعت لكل منها مدخلًا بحسب ترتيب هذه المعاجم، مما يصح معه القول إن هذه المعاجم رصدت بلدان جزيرة العرب تفصيلًا في توزيعها على مداخل مختلفة متنوعة.

ب- التأليف المستقل في جغرافية جزيرة العرب

وقد كان طبيعيًّا أن يستقل التصنيف في جغرافية الجزيرة العربية لغايات سوف يأتي المقال إليها بعد قليل، وفي هذا المجال يرد كتاب الهمداني «صفة جزيرة العرب» ليمثل القمة في العناية المستقلة بهذه البقعة المتميزة من أرض الله، وهذا الكتاب بتقدمه وبما حواه من معرفة جغرافية عن جزيرة العرب يمثل عمدة الأدبيات الجغرافية التي عنيت بجزيرة العرب، على ما شهد بذلك شكيب أرسلان، وعلامة الجزيرة حمد الجاسر رحمهما الله، وغيرهما.

ج- التصنيف في طريق الحج

وقد كان للغاية الدينية أثرها في ظهور أدبيات جغرافية فريدة ونادرة عند المسلمين هي المصنفات التي اهتمت ببيان طرق الحج ومسالكه ومواضعه وخططه، ومن أدبيات هذا الفرع كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة لأبي إسحق الحربي 258هـ، والمتأمل لهذه الأفرع الثلاثة لعناية البلدانيين أو الجغرافيين العرب المسلمين يلحظ شيئًا مهمًّا جدًّا، وهو أنه لابد أن تكون ثمة أهمية بالغة لهذه الأرض التي خدمت هذه الخدمة المتفردة من الناحية الجغرافية، وهي بعض الذي توضحه الفقرة التالية.

(2) غايات عناية البلدانيين بجزيرة العرب

ظهرت عناية الأدبيات الجغرافية في تجليات مختلفة رصدناها إجمالًا فيما مر مما يفتح الباب أمام سؤال الغايات التي أظهرت هذه العناية بأشكالها المختلفة، وبالإمكان أن نرصد الغايات التالية لنرى فيها حواكم أساسية حكمت عناية الجغرافيين المسلمين بها:

الغاية الدينية.

وهي الغاية الأم في تصورنا، التي حركت همة البلدانيين نحو العناية بحدود الجزيرة ومواضع بلدانها، وطرقها المختلفة، وهذه الغاية هي بعض ما التفت إليه كراتشكوفسكي في كتابه الأدب الجغرافي في تلميحه عن ريادة العرب جغرافيًّا، وهو بعض ما ألمح إليه أيضًا مصطفى الشهابي في كتابه «الجغرافيون العرب» (ص 23).

وبالإمكان أن نرصد من أشكال هذه الغاية الدينية تنوعات عديدة تشكل أبوابًا متمايزة في هذا الميدان كما يلي:

غاية فهم النص القرآني

إذ تمثل الجغرافيا وسيلة لازمة لفهم كثير من الآي القرآني، ولاسيما في باب القصص القرآني، وفي باب الإعجاز القرآني في أبعاده الجغرافية.

غاية تشريعية

تتعلق بعدد من التكاليف الشرعية المرتبطة بمواقيت مكانية، ولاسيما على ما ظهر في فرع التأليف الجغرافي في طرق الحج، وهو الذي أعلنه الدكتور عبدالعزيز كامل رحمه الله في كتابه «طريق الهجرة».

غاية جهادية

وهذه الغاية من أسبق الغايات ظهورًا من وراء هذه العناية البلدانية والجغرافية بجزيرة العرب، في ارتباطها بالغزوات، وتطورها فيما بعد لتظهر خلف العناية الإسلامية بعلم الجغرافيا عمومًا لخدمة أغراض الفتوحات الإسلامية.

غاية دعوية

وهذه الغاية كانت بعض اللوازم التي فهمها المسلمون من وراء قوله تعالى {ولتنذر أم القرى ومن حولها} (سورة الأنعام)، بحيث صارت المعرفة البلدانية أمرًا لازمًا لتتميم نشاطات الدعوة الإسلامية، وتبليغ الرسالة، وهو غاية غير مفصولة عن الغاية الإيمانية الباعثة على تقدير بديع صنع الله في أرضه.

الغاية العلمية

هذه الغاية هي الغاية المركزية الثانية التي حكمت عناية البلدانيين بجزيرة العرب، على اعتبار أن تحصيل هذه المعرفة واجب بما هو علم ومعرفة لازمة التحصيل.

ج-الغاية الحضارية العمرانية

وهذه الغاية واحدة من أعلى الغايات التي نهضت بالحفاوة بجزيرة العرب جغرافيًّا، بما أن الضرب في الأرض وتذليلها، وتعبيدها لله تعالى أوامر إلهية متعانقة مع التكاليف الشرعية والمقاصد الكلية للدين.

لقد كان النص العزيز في حرصه على الدفع بالإنسانية إلى ارتياد آفاق الأرض وإعمارها، انطلاقًا من البقعة التي شهدت ميلاد الرسالة الخاتمة سببًا مباشرًا في هذه العناية بجغرافية هذه الأرض التي شهدت مولد النور.

وهذا الذي يقتضيه قوله تعالى {قل سيروا في الأرض}، وما على شاكلته، وهو كثير جدًّا بحيث صارت العناية بجغرافية الجزيرة العربية، ثم بجغرافية الأرض كلها، مطلبًا قرآنيًّا لازمًا تقف في خلفية إرادة تحقيق أغراض إعمار الأرض وتقدمها وإسعاد الإنسان، وتوفير حاجاته منها، فضلًا عن إرادة تحقيق الإيمان بالله تعالى وترسيخه بما يظهر من آثار هذه الدراسة لجغرافية الأرض.

د- الغاية الاقتصادية

وتأتي هذه الغاية لتحقق التعاطي مع المطالب الاقتصادية في انعكاساتها المختلفة في ميادين الزارعة والمياه والرعي وطرق التجارة الداخلية والخارجية.

لقد اعتنى البلدانيون بجزيرة العرب للارتقاء بحياة المسلم على هذه الأرض، ولتحقيق الكفاية اللازمة لبناء الأبدان، بما هو حصاد لاستثمار الأرض الذلول، وتتبع عيون الماء، ومواطن انتشار الكلأ، وإقامة التجمعات السكانية... إلى غير ذلك من ملامح النشاط الاقتصادي.

لقد تحركت همم البلدانيين المسلمين العرب إلى العناية المتنوعة بالفحص الجغرافي لجزيرة العرب إجمالًا، ولذرعها وقياسها وملاحظتها تفصيلًا في تتبع المواضع والمياه، والمراعي، والطرق والمسالك، وفي الضمير منهم جميعًا خدمة الإسلام في ميادين الحياة المتشعبة.

وبالإمكان أن نقرر أن ثمة غايات أخرى غير هذه التي تقدم الحديث عنها، من مثل الغاية الأدبية واللغوية، بمعنى أن كتب جغرافية الجزيرة العربية، وجغرافية منازلها، وديارها، كانت دواوين جامعة للمعرفة الأدبية عامة والشعرية خاصة، بحيث تمثل هذه الأدبيات البلدانية مصادر أصيلة للشعر العربي في كثير من الأحيان– قادرة على تصحيح عدد ضخم من الأشعار، واستكمال عدد ضخم من شعر الشعراء، بالإضافة إلى حجم المعلومات التاريخية والأثرية والاجتماعية والثقافية عن العرب قبل الإسلام وبعده.

إن الضمير العلمي ليقرر وهو مطمئن أن مناطق من ميادين المنجز المعرفي المتعاطي مع جزيرة العرب ما تزال إلى اليوم بكرًا تحتاج إلى الفحص وإلى مزيد من الدرس والتتبع، ويوم يكون ذلك سنكتشف عظمة التأثير الذي أحدثه الإسلام في العقل العربي.

المصدر : مجلة الوعي الإسلامي الكويتية


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 عناية البلدانيين بجزيرة العرب.. أبعادها وغاياتها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7