الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012الوجود الإسلامي في الممالك النصرانية بشبه الجزيرة الإبيرية قبل سقوط غرناطة
 
الإثنين 30 يوليو 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

الوجود الإسلامي في الممالك النصرانية بشبه الجزيرة الإبيرية قبل سقوط غرناطة
الدكتور على الكتاني*

ا-مقدمة:

كان الوجود الإسلامي في الممالك النصرانية خارج حدود دولة الأندلس الإسلامية قائما وكثيفا ومتواصلا لمدة قرون ، أي منذ احتلال الممالك الإسبانية لأرض إسلامية ابتداء من القرن الحادي عشر الميلادي إلى القرن السادس عشر بعد سقوط غرناطة ، ولا شك أن قرار فرناند وإيزبيلا (الملكين الكاثوليكيين ) ومن تبعهما من الملوك في القرنين التاليين القضاء على الإسلام نهائيا جريمة شنيعة ضد الإنسانية وذنب لا يغتفر ليس في حق ضحاياهم فقط ، ولكن كذلك في حق إسبانيا.

صحيح أن المسلمين لم يكونوا في الممالك النصرانية في أحسن الأحوال ، ولكن كان لهم وضع قانوني ووجود معترف به ، كما كانت لهم مساجدهم ومدارسهم وعلماؤهم وفقهاؤهم ، وهؤلاء المسلمون يعرفون بالمدجنين ، وهم رغم معرفتهم باللغة العربية في بعض المناطق كبلنسية، كانوا يتعاملون باللغة العجمية، فكتبوا بها المؤلفات حتى أصبحت اللغة العجمية (أي الإسبانية المكتوبة بالحروف العربية) لغة إسلامية مثلها مثل الفارسية والتركية وغيرها من لغات المسلمين المكتوبة بالحروف العربية.

ولنرى الآن كيف كان وضع المسمين عبر القرون المختلفة في كل مملكة من ممالك الجزيرة الإيبرية النصرانية.

II-المسلمون في البرتغال :

تأسست البرتغال كإمارة صغيرة على حدود الدولة الإسلامية الشمالية الغربية ، وقد استولى على هذه الإمارة المنصور ابن أبي عامر، لكنها اغتنمت فرصة سقوط الدولة الأموية فاحتلت براغة سنة 1040م ، وهى بلدة مجاورة لعاصمتها الأولى "أبوزلو" أو "بورتوغال " التي أعطت أسمها للبلاد ، وتجزأ غرب الأندلس إلى عدة ممالك أيام الطوائف ، فأصبح الجنوب تحت سلطة بنى هارون سنة 1026م ، وعاصمتهم شنتمرية الغرب (الفارو اليوم )، وسقط وسط البلاد في يد بني الأفطس سنة 1022 ، وعاصمتهم بطليوس (بإسبانيا اليوم ).

وتابع البرتغاليون غزوهم للأراضي الإسلامية على حساب بني الأفطس ، فاحتلوا مدينة قلمرية سنة 1064م ونقلوا إليها عاصمتهم ، وتجزأت دولة بني هارون في شنتمرية الغرب ، إذ نشأت دولة بني مزين وعاصمتها حلب سنة 1068 م، وانضم الباقي إلى دولة بني عباد وعاصمتهم إشبيلية (بإسبانيا اليوم ).

ثم قضى المرابطون على بني الأفطس وبني عباد ووحدوا البلاد واستقرت الحدود لمائة وخمسين سنة بعد أن احتل البرتغاليون مدينة الأشبونة سنة 1093م .

وحلت الدولة الموحدية محل الدولة المرابية فاحتل البرتغاليون مدينة يابورة سنة 1166م. ولما ضعفت الدولة الموحدية سيطهر البرتغاليون على مدن إسلامية أخرى، فغزوا قصر بني دنيس سنة 1249م ، ثم باجة وشنتمرية وشلب وجميع غرب الأندلس سنة 1217م، فنقلوا عاصمتهم من قلمرية إلى الأشبونة ، واستقرت حدود البرتغال على ما هي عليه اليوم .

وعند احتلال الأراضي الإسلامية صادر البرتغاليون جميع أراض المسلمين وبيوتهم ووزعوها على نبلاء النصارى ، فهاجر عدد كبير من المسلمين إلى ما تبقى من الأراضي الإسلامية بينما استقر معظم الباقين كمدجنين بنسب عالية في الجنوب ، ولما أرغمت إسبانيا المسلمين على التنصير تبعتها البرتغال سنة 1502م بتنصير المدجنين ، فهاجر منهم عدد كبير إلى شمال المغرب وكحت لهم إسبانيا بعبور أراضيها بينما استقر الباقون كنصارى ظاهرا ومسلمين سرا ، وبقيت هذه الجاليات إلى سنة 1540م عندما تزوج ملك البرتغال بأخت ملك إسبانيا ، وكان شرط الزواج طرد المسلمين ، فهاجر عدد كبير منهم إلى العرائش والقصر الكبير والمناطق المجاورة لهما بشمال المغرب ، بينما بقى الباقون كنصارى في البرتغال ، وينتمي اليوم معظم سكان البرتغال بجنوب الأشبونة إلى أصول إسلامية وهم لا يختلفون في سماتهم عن ا لأندلسيين.

III - المسلمون في قشتالة :

عند سقوط طليطلة سنة 1085م هاجر إلى باقي الأراضي الإسلامية عدد كبير من المسلمين ، بينما بقى الآخرون تحت حكم النصارى كمدجنين ، وكثرت أعداد هؤلاء بعد سقوط أراض إسلامية ردحة في القرن الثالث عشر في يد قشتالة، كمرسية وقرطبة وإشبيلية ، وكان القشتاليون يوقعون عقودا مع المسلمين المنهزمين يضمنون لهم فيها حقوقهم الدينية، ولكن سرعان ما كانوا ينكرونها بعد استتباب أمرهم ، ويعاملونهم معاملة ظالمة.

في سنة 1258م وضع ألفونسو العاشر قانونا عاما لمملكته سماه "الأقسام السبعة، صنف فيها المسلمين إلى أربع فئات وجعل لكل فئة منها معاملة خاصة، وهم المتنصرون والعبيد والمعتقون والمدجنون ، أما المتنصرون ، فكانوا موضع احتقار من طرف النصارى القدامى، فوحد القانون بين الفئتين ، وأعطى ميراث الأب المسلم لأولاده المتنصرين دون غيرهم من الأبناء.

وكانت عقوبة من يرتد منهم الموت وفقدان الحقوق ومصادرة الأموال ، أما الأرقاء المسلمون فكانوا معرضين لكل أنواع الظلم والإيذاء، وكان لسيدهم عليهم حق الموت والحياة والتعذيب والاغتصاب والتفريق بين الأقارب وبيع من شاء منهم .

ولم يكن حال المعتقلات أفضل بكثير من حال الرقيق ، أما المدجنون فكانت حريتهم الدينية تحترم لحد ما، وكانوا يعيشون في أحياء خاصة بهم لهم شرائعهم وقضاتهم وتقاليدهم ومساجدهم وأعيادهم ، وإن كانوا دائما عرضة للاضطهاد حسب أهواء طاغية الوقت وسياسته الخارجية.

نتيجة هذه العاملة السيئة، ثار المدجنون سنة 1261م وانقضوا على جميع الحصون الممتدة بين شريش غربا ومرسية شرقا، ورفعوا علم مملكة غرناطة وأعلنوا انضمامهم لها ، وساند ابن الأحمر هذه الثورة بادئ الأمر. كان ألفونسو العاشر في شقوبية، فطلب من ابن الأحمر مساعدته على القضاء على الثورة حسب الاتفاق الذي بينهما، فاعتذر، وسانده خايمي الأول ، ملك أراغون ، وضرب ملك قشتالة الحصار على شريش في مايو سنة 1264م، فاستسلمت بعد ستة شهور فطرد أهلها.

ثم احتل ألفونسو من جديد شلوقة وشذونة والبربجة وأركش وأخيرا قادس سنة 1266م ، واحتل ملك أراغون لقنت سنة 1263م ، ثم قرطاجنة، ثم فرض الحصار على لمرية مع جيش قشتالي برئاسة ابن ملك قشتالة، فاستسلمت المدينة في 13/2/1266م .

وفي 5/6/1266م فرق ملك قشتالة بين مسلمي ونصارى مرسية في حيين وبنى بينهما سورا ، وكان الحي الإسلامي يسمى الرشاقة، وبقيت إدارته بيد بني هود المسلمين إلى سنة 1308م حيث انتقلت الإدارة إلى يد القشتاليين.

ثم توالت القرارات التي تحد من حقوق المسلمين ، وكل ملك تولى الحكم يشرع تشريعات جديدة ضد المسلمين ، ففي سنة 41348م أصدر ألفونسو الحادي عشر أمرا من قلعة النهر يحرم فيه على المسلمين أن تعاملوا بالمال أو يقرضوا بالفائدة، ثم حرم عليهم في قرار من مجريط أن يشغلوا وظيفة مالية مع الحكومة أو مع النبلاء، ومنعهم من المحاماة في القضايا القائمة بين النصارى.

وحدد عقوبة من يخالف بمصادرة جميع الأموال والتعذيب الجسدي ، وجدد الملك أنريكى الثاني في برغش سنة 1368م التحريمات السابقة وأصدر أمرا آخر سنة 1371م يحرم فيه على المسلمين التسمي بأسماء نصرانية ويفرض عليهم وضع إشارة مميزة في ثيابهم .

وأصدر خوان الأول في شورية مرسوما سنة 1387م يجدد فيه منع المسلمين من الوظائف المالية ويمنع شتم المتنصرين وإهانتهم بتسميتهم 3 بالكلاب والخنازير، ويعاقب من يخالف ذلك بغرامة قدرها 300 مرابطي أو الحبس 15 يوما.

كما يحرم على النصارى تربية أولاد المسلمين ويعاقب المخالفين بغرامة قدرها55 مرابطي وسمح للمزارعين النصارى بالعمل لدى المسلمين وحمايتهم في أسفارهم .

وينص المرسوم بألا يعتق الرق المسلم من اليهودي إذا اعتنق اليهودية بل يسترق سيده .

وأصدر خوان الأول مرسوما آخر سنة 1387م يمنع فيه المسلمين من العيش مع النصارى أو العكس ، ويعاقب المخالف بالتعذيب ومصادرة الأموال ، ويحرم على النصارى استعمال المسلمين إلا إذا كانوا عبيدا لديهم ، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها555، مرابطي إلا إذا كان المسلم طبيبا.

ويحرم على المسلمين العمل يوم الأحد علنا، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها 30 مرابطي ، ويجبر المرسوم المسلمين على إخلاء الطريق التي يمر بها الصليب ، وإذا تعذر عليهم ذلك وجب عليهم الركوع للصليب، وعقوبة المخالف مصادرة ثيابه وإعطائها للنصراني الذي يقبض عليه ويسلمه للقاضي .

ثم أصدر خوان الأول مرسوما ثالثا سنة 1388م في بلد الوليد يجدد منع النصارى من معايشة المسلمين أو تربية أبنائهم ، ويعاقب من يخالف بالجلد.

ويمنع المرسوم المسلمين مرة أخرى من دخول الوظائف العامة، خاصة المالية منها.

وأصدر خوان الثاني مرسوما في بلد الوليد سنة 1308م يكرر فيه منع المسلمين من دخول الوظائف المالية، ويعاقب كلا من المسلم المخالف ومستخدمه النصراني بغرامة قدرها 2000 مرابطي ، كما يمنع المرسوم المسلمين من الأكل أو الشرب مع النصارى ويعاقب من يخالف بالجلد مائة جلدة ، وإذا تكررت المخالفة في هذه الحالة والحالة السابقة، يدفع المخالف ألف مرابطي ، يمنح ثلثها للمخبر النصراني . ويمنع المرسوم المسلمين من الحضور في أعياد النصارى كما يمنعهم من أن يكونوا عرابين في حفلات التعميد، يعاقب من يخالف بغرامة قدرها 2000 مرابطي ويمنع المرسوم المسلمين من زيارة المرضى النصارى، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها300 مرابطي ، ويمنع المسلمين من مزاولة مهنة الجراحة أو العطارة أو الصيدلة أو بيع المواد الغذائية أو الأدوية، يعاقب من يخالف بدفع غرامة قدرها 2000 مرابطي وبالجلد. ويجبر المرسوم المسلمين على السكن في أحياء خاصة، ويلغي المحاكم الشرعية الإسلامية ، ويوصى القضاة النصارى بأن يقضوا بين المسلمين وفقا للحقوق التي منحتهم إياها امتيازاتهم ، ويمنع المرسوم النبلاء من قبول المسلمين الذين يغيرون محل إقامتهم ، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها 200 مرابطي ، ولمن يكرر المخالفة غرامة قدرها 100.000 مرابطي ، وتصادر كل أملاك وإقطاعهات من يخالف للمرة الثالثة، ويقضي المرسوم على المدجن

المسلم الذي يقبض عليه وهو هارب إلى مملكة غرناطة بأن يسترقه النصراني القاضي عليه ، وتصادر أملاكه لصالح النصراني المذكور.

ثم أصدر خوان الثاني مرسوما ثانيا في نفس السنة أجبر فيه المدجنين في طليطلة وغيرها من المدن على ترك منازلهم وأموالهم والانتقال إلى قشتالة القديمة.

وأصدر خوان الثاني مرسوما سنة 1422م يقضي فيه بالإعدام على كل مسلم يمنع آخر من اعتناق النصرانية ولو كان ابنه ، ويقضي باسترقاق المسلم القادم من مملكة غرناطة لصالح النصراني القابض عليه، ثم أصدر أمرا سنة 1435م يعتبر فيه على النصارى توقيع كتب التزام وإقرار بدين لمسلم إلا إذا كان خاليا من شرط دفع فائدة عن هذا الدين ، وأصدر أمرا سنة 1438 م يعتبر فيه بطلان يمين النصراني أمام القاضي بالاعتراف بدين لمسلم إلا إذا كان المقر له مزارعا.

ثم أصدرت الملكة إيسابيلا في مجريط سنة 1476م مرسوما تلغي فيه ما تبقى من المحاكم الشرعية الإسلامية، وتمنع فيه المسلمين من لبس الثوب أو الحرير أو الذهب أو الفضة ، كما حرمت عليهم أن يكون ذلك في جهاز خيولهم، ويعاقب من يخالف بمصادرة ذلك ، ويجبر المرسوم المسلمين على وضع قطعة ثوب حمراء على أكتافهم ، وقلنسوة أو فبعة خضراء على رؤوسهم ، والمسلمات على حمل قطعة ثوب أزرق عرضها أربعة أصابع.

ثم أصدرت الملكة إسبابيلا في طليطلة أمرا آخر سنة 1480م أكدت فيه على عزل المسلمين عن النصارى في السكن ، وكررت فيه الأمر باسترقاق المسلمين الهاربين إلى غرناطة لحساب القابض عليهم ، وسمحت للمسلمين ببناء مساجد جديدة في أحيائهم (1 ).

هذه هي الأوضاع التي كان يعيشها المسلمون المدجنون في مملكة قشتالة قبل سقوط غرناطة ، أما بعد سقوطها، فقد أخذت الدولة الإسبانية في معاملتهم بكيفية أسوأ بكثير على غرار معاملتها لمسلمي غرناطة، إلى أن قرر المكان الكاثوليكيان إرسال أمر إلى حاكم قرطبة سنة 1502م يطلبان منه فيه اتخاذ قرار حازم يقضى بقتل المسلمين الرافضين للتنصير أو طردهم خارج البلاد.

كما أصدرا أمرا يحرمان فيه على مسلمي قشتالة الاتصال بمسلمي غرناطة أو الاختلاط بهم ، ثم صدر قرار ملكي بتاريخ 12/2/1502 م بإشبيلية يأمر بتنصير جميع مسلمي قشتالة وليون وإخراج من يرفض التنصير. فتنصر ظاهرا معظمهم (2).

1 - وضع المدجنين في سكة أواغون :

كانت مملكة أراغون تنقسم إلى أربع مناطق إدارية : أراغون القديمة وقطلونية ومملكة بلنسية والجزر الشرقية. وقد تكونت مجموعات كبيرة من المدجنين في كل هذه المناطق بعد أخذها من يد المسلمين . ونجد في القرن السادس عشر مجموعات إسلامية على مصب ش أبره في منطقة طرقونة وطرطوشة التابعين لقطلونية، بقيت هنا منذ سقوط الأولى من يد المسلمين سنة 960م والثانية سنة 1200 م . كما بقيت مجموعة كبيرة من المدجنين في منطقة أراغون القديمة منذ سقوط سرقسطة سنة 1118م، حتى أصبحوا يكونون في القرن السادس عشر خمس السكان ، وكانت نسبهم أعلى خارج المدن وفي السهول . وسقطت مملكة بلنسية في يد النصارى سنة 1238م، ورغم الهجرة والطرد فقد بقي ثلث سكانها مسلمين في القرن السادس عشر، بينما كونوا أكثرية في كثير من مناطقها.

واحتل النصارى أكبر الجزر الشرقية، ميورقة، سنة 1220م ويابسة سنة 1235م ، ومنورقة سنة 1286م ، وبقي بها عدد من المدجنين ، وكان معظم مدجني مملكة أراغون مزارعين يعملون في أراض يملكها نبلاء نصارى يعيشون عالة عليهم ، ولذا عمل النبلاء على حمايتهم دفاعا عن مصالحهم.

احتل خايمي الأول ملك أراغون بلنسية سنة 1238م، بعد أن عقد مع أهلها معاهدة يتعهد فيها بصيانة المسلمين وأموالهم وعقيدتهم ولغتهم والشريعة الإسلامية ، وأن يهادن ما تبقى من منطقة بلنسية في يد المسلمين لمدة ثمان سنين ، لكن خايمي تنكر لعهوده فور تملكه المدينة، فلاحق المسلمين داخلها وخارجها، وحول أجمل المساجد وأكبرها إلى كنائس ، وأتى بمهاجرين نصارى من الشمال ، وأسكن المسلمين في أحياء خاصة بهم ، وأخذ النصارى القادمون يزعجون المسلمين دون ردع من الدولة.

ثم صادر خايمي الأول أموال المسلمين وأقطعها للنبلاء من النصارى الوافدين حتى أصبح جميع المسلمين شبه أرقاء يعملون لساداتهم من النصارى .

وفى سنة 1248 م، نشر خايمي الأول تشريع خاصة بالمسلمين لا تختلف عن مثيلاتها المطبقة في قشتالة، وكانت معارضة تماما لمعاهدات الاستسلام .

وفى سنة 1251 م احتل خايمي الأول مدينة شاطبة فأصدر منشورا بتاريخ 23/11/1251 م يتضمن شروطا سخية لهم مماثلة لتلك التي وقعها مع بلنسية عند استسلامها.

ثم أخذ بابا روما يضغط على خايمي الأول لإبادة العنصر الإسلامي الموجود في مملكته ، فحاول ملك أراغون إطاعته في ذلك ، لكنه واجه معارضة من الإقطاعيين النبلاء الذين رأوا في المسلمين عنصرا لإغنائهم ، كما تعرضت أوامر البابا مع سياسة أراغون المتظاهرة بمعاملة أفضل للمسلمين من قشتالة لتنافسهما على غزو ما تبقى من الأراضي الإسلامية، كما أن العنصر الإسلامي كان يكون أكثرية السكان والطبقة العاملة.

وكان يصعب ملء الفراغ الذي يتركونه إذا طردوا.

وأمام هذه المعاملة السيئة والتنكر الصريح للمعاهدات ثار المسلمون سنة 1254م تحت زعامة رجل اسمه الأزرق ، واستولوا على عدد من الحصون بين شاطبة ودانية ولقنت ، وسيطروا على الجبال الواقعة جنوب نهر شقر ، فتوجه خايمي الأول على رأس جيش إلى بلنسية، وعقد فيها مجلس النواب (الكورتس ) الذين قرروا طرد المسلمين من مملكة أراغون ، وسمحوا لهم أن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم و أمتعتهم ، فشجع ذلك المترددين من المسلمين على الانضمام إلى الثورة ، فاندلعت الثورة شمال نهر شقر، وانضم المطرودون إلى الثوار واستولوا على حصنها، لكن مسلمي مدينة بلنسية وضواحيها فضلوا النزوح إلى مرسية على الثورة، ودامت الثورة بمساعدة مملكة غرناطة بين مد وجزر إلى سنة 1257م ، حيث اضطر الأزرق وباقي المسلمين إلى الاستسلام ، ونزح من أراد من قواد الثورة إلى غرناطة وبقي من أراد البقاء في أرضه دون أن يشمله الطرد.

واستغل البابا كليمانت الرابع مساعدته للملك خايمي الأول في إخماد ثورة بلنسية بالمال لفرض شروطه ، وأعلن أن الكنيسة مممكن أن تتنازل عن حصتها في الضرائب المسماة بالحشر شرط أن يقسم الملك أمام مذبح العذراء في كنيسة بلنسية بأن يبيد المسلمين الموجودين في مملكته برحا ، فأقسم الملك على ذلك والتزم به علنا، لكنه تردد في تطبيق ذلك خوفا من أن تقلص مملكته ، وتوصل إلى حل إجرامي وهو رفع حماية الدولة عن المسلمين نهائيا.

فأصبح المسلمون عرضة للاعتداءات وهجوم الجنود النظاميين لأخذ أبنائهم وبناتهم وبيعهم كعبيد ، ولم يرد الملك على شكاوي المسلمين بل زاد على ذالك بقوانين تعسفية سنة 1268م حدد فيها حق اللجوء إلى الكنائس بثلاثة أيام ، وكان كثير من مستضعفي المسلمين يهربون إلى الكنائس من ظلم المعتدين عليهم فيحصلون مقابل التنصير على حماية دائمة.

وعندما يشر المسلمون من إنصاف الملك خايمي الأول قرروا الثورة مرة ثانية في شهر مارس عام 1276 م، جنوب نهر شقر، واحتل الثوار أربعين حصنا واستغاثوا بسلطان غرناطة، أبي عبد الله. فعامل خايمي أولا الثوار بالحيلة، إذ هادن الحصون التي لا ترفع علم غرناطة وحارب الحصون الأخرى، بهذا شجع النزاعات الداخلية بين المسلمين . ثم حاصر الملك خايمي مدينة شاطبة عاصمة الثوار، فاختار الثوار الأزرق رئيسا لها مرة ثانية.، ولما استشهد أمام حصن الكيل ، تسلم ابنه القيادة فاستشهد بدوره. ورغم ذلك ،لم يستطع النصارى احتلال شاطبة ونجح الثوار في تحرير حصن الكيل .

ومرض خايمي الأول إبان الثورة، فنشر عند احتضاره منشورا في 18/7/1276م ، ضمن فيه وصيته لابنه وخليفته بدور الثالث جاء فيها : "لقد تقدمنا بالوعد أما العذراء في بلنسية بأن نخرج المسلمين من أيخمنا، وذلك مقابل تنازل البابا عن العشر، فإننا نرجو من ولي العهد دون بدرو أن يطرد جميع المسلمين من مملكة بلنسية وأن لا يبقي منهم فيها أحدا لأي سبب كان ، حتى ولو دفعوا ما عليهم ". وحينما قربت وفاته ، سلم لبنه سيفه وأوصاه بأن يستعمله ضد المسلمين دون توقف ولا هوادة إلى أن يقضي عليهم جميعا ويطردهم من المملكة. ومات خايمي الأول في 627/7/1276 م وثورة المسلمين في أوجها.

وعندما تسلم السلطة بدر الثالث تفاوض مع الثوار، واتفق معهم على هدنة مدتها ثلاثة شهور، باستثناء ستة حصون نجح في احتلالها في شهر أبريل سنة 1277م. ثم احتل مويلة في 29/9/1277م ، وأخيرا استسلمت له منتيسة، فتلاشت الثورة. فأمر الملك بنزع سلاح الثوار دون معاقبتهم ، ووزعهم على أنحاء المملكه لإعمارها دون أن يأبه بوصية أبيه .

وفي سنة 1283م أصدر الملك بدرو الثالث قانونا يسمح ، فيه للمسلمين بالانتقال والإقامة حيثما شاؤوا في مملكته والتجارة بحرية، لكنه حرم عليهم وظائف القضاء والشرطة المال، وألزمهم بأن يقسموا يمينا أن لا يقرضوا أحدا بأكثر من 20 في المائة سنويا، يعاقب المخالف بغرامة قدرها خس دوقات ذهبية، ومنع قبول شهادة المسلم إلا بشروط حددها، وقضى بسقوط الدين غير العقود أمام القضاء بعد ست سنين إن كان المقرض مسلما.

وفي سنة 1301م أصدر الملك خايمي الثاني قانونا ينص فيه على أنه تكفي شهادة نصرانيين بحق المسلم دون حاجة لشهادة مسلم معها كما كان معمولا به من قبل وفي عام 1311م ، أيام هذا الملك ، دعا البابا كليمنت الخامس إلى عقد مجمع كنسي في فيينا طالب فيه ملوك أراغون وقشتالة والبرتغال بإخلاء ممالكهم من الإسلام ، وإن لم يفعلوا أوعدهم بنزول غضب الله عليهم.

وفي سنة 1328م أصدر الملك ألفونسو الرابع قانونا في بلنسية يعطي فيه السلطة المطلقة للسيد الإقطاعي أن يقضي بين المسلمين الذين تحت حكمه، وأن يعاقب ويبتر الأعضاء ويجلد ويقتل ويصادر ويحتفظ بما يصادره لنفسه أو يقتسمه مع أشخاص في أحيان محددة.

أما ابنه بدرو الرابع ، فقد سن عام1342 م، قانونا يؤكد فيه القانون السابق . وفي سنة 1370 م ،سن قانونا يمنع فيه المسلمين من الهجرة إلى غرناطة أو إلى المغرب حتى لو دفعوا خمس ممتلكاتهم كما كانوا يفعلون من قبل . وسن قانونا ثالثا سنة 461 م يمنع فيه فرض مراقب نصراني على المسلمين كما كان من قبل . وفي سنة 1389م أصدر الملك خوان الأول قانونا يحرم فيه على الأسرى المسلمين أن يفتدوا بأموال من مملكة بلنسية إن كانوا خارجها وإن فعلوا، تعرضوا لعقوبة الاسترقاق .

وفي سنة 1403م أصدر الملك مارتين الأول قانونا يؤكد فيه ما شرع من قبل حول فدية أسرى المسلمين ، يقضي بمصادرة أموال كل من هاجر من المسلمين ، واسترقاق من يقبض عليه منهم ، وتوزيع أموالهم ثلاثة أثلاث : للملك ، وللإقطاعي الذي كان يسكن عنده المهاجر، وللإقطاعي الذي قبض على أرضه . ويمنع القانون المسلمين من الانتقال من أرض إقطاعي إلى أرض غيره إلا بشروط ، ويوجب على الإقطاعي الذي يلجأ عنده مسلم بأن يسلمه خلال ثمانين يوما من الإنذار النهائي لتسليمه وإلا غرم 1000 فلوران .

وفي سنة ،2151 أصدر الملك فراندو الأول قانونا يحرم فيه على المسلمين الخروج من مملكة أراغون إلا لخدمة سيدهم النصراني ودون اصطحاب أبنائهم . وقرر القانون بأن المسلمة المسترقة التي تحمل من سيدها لا تصبح حرة إلا إذا اعترف السيد النصراني بأنه منها، وإذا حملت من غير سيدها، إن كان نصرانيا تظل مسترقة ويجبر النصراني على أخذ ابنه ، وإن ماتت المرأة عند الولادة، دفع ثمنها لسيدها. وأمر القانون أن توضع أحياء المسلمين تحت إشراف مراقب نصراني ، وحرم على المسلمين الأذان تحت طائلة الإعدام ، وفرض عقوبة الموت على المسلم الذي يجرح نصرانيا في غير الدفاع المشروع ، وغرامة تعادل ضعفي الغرامة التي يدفعها النصراني في حالة الدفاع المشروع .

وأصدر الملك ألفونسو الخامس قانونا يمنع فيه هجرة المسلم حتى لو حصل على موافقة سيده الإقطاعي ، وأصدر سنة 1428م قانونا أكد فيه حق السادة الإقطاعيين في القضاء بين جميع أتباعهم بمن فيم كم المسلمين ، وأصدر أمرا يقضي بأنه لا يحق للمسلم أن يدعي الفقر ليتخلص من قضاء سيده وليطالب بمحاكمته أمام عام الدولة كما هو الوضع بالنسبة للفقراء.

وقرر أن المسلم إذا بدل مقر سكناه من إقطاع إلى إقطاع آخر دون تصفية حساباته ، صودرت كل أملاكه المنقولة وغير المنقولة! وإذا بدل مقره دون موافقة سيده الإقطاعي ، فرض عليه الرق وعلى زوجته وأولاد ه .

هذا هو الوضع الذي كان عليه المسلمون في مملكة أراغون قبل سقوط غرناطة. وكانوا يعيشون كمسلمين تحت حكم النصارى لمدة تتراوح بين القرنين والثلاثة قرون يعملون كمزارعين لساداتهم النصارى لهم عليهم سيطرة تشبه سيطرة السادة على العبيد ، ونظموا أنفسهم دينيا في جماعات تعيش حول مساجدها، لها فقهاؤها وعلماؤها. لكن هذا التوازن الذي تعود عليه المدجنون في مملكة أراغون سيختل إلى الأسوإ بعد سقوط غرناطة .

أصبحت مخاوف مسلمي أراغون تتزايد مغذ صدور الأمر بتنصير مسلمي غرناطة ثم مسلمي قشتالة سنة 1502م. فتدخل السادة الإقطاعيون الذين يعمل المسلمون في أراضيهم أمام مجلس الكورتش في برشلونة سنة 1502م لحمايتهم من التنصير الإجباري أو الطرد ، ولقد جاءت هذه الحماية بعض النتائج في أول الأمر حتى أن الملك كارلوس الأول اضطر سنة 1517م إلى أن يكذب الشائعات التي تنسب إليه نية طرد المسلمين من مملكة أراغون (3).

لكن عداوة الكنيسة وعامة النصارى للمسلفين كانت قوية، كما أن الدولة سلحت عامة النصارى سنة 1509م لرد هجوم المجاهدين الأتراك على السواحل ومنعت المسلمين من سكنى السواحل .

وأصبح هذا العداء يظهر بشكل واضح ودموي بعد حادث قتل عبدين من طرف مسلمين في 20/5/1521م ، فهاجم النصارى قرى إسلامية في منطقة بلنسية في شهر يونيو سنة 1521م ، وفي 15/7/1521م هاجمت قوة من النصارى قوامها 400 شخص بلدة مربيط الإسلامية.

وفي شهر غشت من نفس السنة أجبر النصارى15000.مسلم على التنصر بالقوة خاصة في بلدة بولوب وضواحيها.

وفي مارس سنة 1522م قامت قوة من النصارى بالإغارة على قريتين مسلمتين هما البركة والكوثر(4).

ومنذ مارس سنة 1523م أخذت محاكم التفتيش، تناقش موضوع تشبث المورسكيين (وهو الاسم الذي أطلق على المسلمين المنصرين عنوة) بالإسلام ، فقام المفتش العام دون ألونسو منريكى بعقد اجتماع لمحاكم التفتيش في شهر يناير عام 1524م لدراسة موضوع رجوع الذين تنصروا منذ عام 1521م إلى الإسلام . وتأجل الاجتماع عدة مرات ، ثم عقد أولى جلساته في 19/2/1525م ودامت الاجتماعات إلى 22/6/1525م . فقرر الجيم بأن المسلمين الذين أجبروا على التنصر هم نصارى وجب عليهم أن يعيشوا حياة النصارى، وعلى "محاكم التفتيش " أن تعاملهم معاملة المرتدين إذا رفضوا ذلك .

وفي نفس الوقت طلب كارلوس الخامس رأي البابا في الأمر. فأصدر البابا كليمنت السابع أمرا بتاريخ 12/5/1524م يتضمن تبرئة الملك من قسمه في المحافظة على حقوق المسلمين ومطالبته بتحويل المسلمين إلى النصرانية بالقوة ومنحه حق فرض الرق على من رفض ونصحه باستعمال محام التفتيش لإرهاب المسلمين وإجبارهم على التنصر. وفي 16/11/1525م أصدر الملك أمرا بتنفيذ مضمون الأمر البابوي وقضى بتنصير المسلمين ونزع السلاح منهم وتحويل جميع المساجد إلى كنائس تحت طائلة إيقاع المعارضين في الرق بعد 8/12/1525 . وفي 10/12/1525 م طلب مفوض ديوان التفتيش من المسلمين الرافضين التنصر الاستعداد لترك بيوتهم والخروج من المملكة في موعد أقصاه 21/1/1526م.

V-خاتمة:

إن أوضاع المسلمين في الممالك النصرانية الإيبيرلية لم يكن بالجيد، كما رأينا سابقا. ولكن بالمقارنة مع ما كانت عليه في أوروبا النصرانية آنذاك ، كفرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، فعلى الأقل كان مسموحا بوجود جاليات إسلامية جيلا بعد جيل في الدولة الإيبيرلية. ولم ينته هذا الوضع إلا بسقوط غرناطة الذي أدى إلى أكبر جريمة في تاريخ إسبانيا، وهذه قصة أخرى..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*رئيس جامعة ابن رشد الإسلامية قرطبة - الأندلس

( 1 ) Luis del Marmol Caravajal, Historia del Rebelion y Castigo de los Moriscos de Granada.
Biblioteca de Antores Espanoles t.XXI, p, 123y so.

(2 )Comte de Circourt, Histoire des Arabes d’Espagne, Paris

1846

(3) E.Ciscar y R. Garcia Carcel Moriscos I Agermanats, Valencia, 1974 pp 31-32.

(4) Ref.3.pp.122-125.

المصدر : مجلة التاريخ العربي


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الوجود الإسلامي في الممالك النصرانية بشبه الجزيرة الإبيرية قبل سقوط غرناط

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7