الرئيسة من صفحات التاريخعام 2011الجذور التاريخية للشورى وتطبيقاتها في عصر النبوة والخلافة الراشدة
 
الأربعاء 28 ديسمبر 2011
فتح القسطنطينية

الجذور التاريخية للشورى وتطبيقاتها في عصر النبوة والخلافة الراشدة

مفهوم الشورى:
الشورى في اللغة مشتقة من كلمة شور, وتأتى لمعانٍ عدة منها استخراج الشيء المفيد من موضعه , شرت العسل واشترته , أي استخرجته من موضعه, وتأتى بمعنى تفحص بدن الدابة عند الشراء, وتأتى عند استعراض النفس في ميدان القتال, وتأتى بمعنى عرض الشيء واختباره لغرض معرفة قيمته وحقيقته, فيقال شرت الشيء إذا قلبته لفحصه والتعرف علي قيمته, كما تعني (الشورى( حسن الهيئة واللباس, فيقال إنه لحسن الصورة والهيئة[1].
واستخدامها في الاصطلاح لا يبتعد عن معانيها في اللغة, فتأتى بمعنى استطلاع الرأي من ذوى الخبرة في الشيء للتوصل إلى الصواب, والمشاورة هي (الاجتماع على أمر ليستفيد كل واحد من صاحبه ويستخرج ما عنده )[2].
والشورى تعنى تقليب وجهات النظر والآراء المطروحة في قضية من القضايا ومناقشتها حتى يتوصل أقربها إلى الحق والصواب.
الشورى قبل الإسلام:
لقد عرفت أطراف الجزيرة العربية أنظمة عديدة للحكم في القرون التي سبقت ظهور الإسلام, فمثلاً شهدت بابل نظاماً ملكياً وراثياً في عهد حمو رابي ومن جاء بعده, وفي بلاد الشام تعاقبت النظم والدول, بعضها ملكية مثل الأنباط وتدمر, ثم كانت الغساسنة, وكذا الحال بالنسبة إلى الدول التي ظهرت في أطراف العراق كالمناذرة[3], وفي اليمن جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة سبأ والتي شهدت نظاماً ملكياً فيه نوع من الشورى, وقد أشار القرآن الكريم إلى قصتها في سورة النمل (الآيات22-44), وبينت الآيات الكريمة كيف تمت المراسلة بين نبي الله سليمان عليه السلام وبين بلقيس ملكة سبأ والتي انتهت بإسلامها[4] وتبين هذه الآيات النمط السياسي القائم على الشورى في المملكة المذكورة, قال تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أمري مَا كُنتُ قَاطِعَةً أمراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل:32).
وعرف العرب في الجزيرة قيمة الشورى فتمسكوا بها واعتبروها خير وسيلة لتجنب الغبن والوصول إلى الموقف الصائب (قال أعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي, قيل وكيف ذلك, قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم)[5]. وكان النظام الاجتماعي والسياسي القائم لدى العرب في الجزيرة يتطلب ممارسة الشورى, ذلك لأن القبيلة هي الوحدة الاجتماعية والسياسية التي يعيشون في ظلها, وكل أفراد القبيلة الواحدة يعتقدون أنهم ينحدرون من جدٍ أعلى واحد, فروح الأخوة والمساواة تتطلب الأخذ بالشورى لأنها وسيلة ضرورية لتأليف القلوب والمحافظة على وحدة القبيلة, لذلك تتجلى الشورى في إدارة القبيلة العربية وأسلوب حياتها بوضوح, فانتخاب سيد القبيلة مثلاً يعكس روح الشورى السائدة عند العرب قبل الإسلام , حيث يتم الانتخاب بأسلوب حر بعيد عن الوراثة إلا في حالات نادرة , حيث لم يحبذ العرب انتقال السيادة بالوراثة لان ذلك يقيد حريتهم, وبالفعل لا يوجد في تاريخ قبائل وسط الجزيرة العربية أكثر من أربع أسر تتابع فيها أربع أحفاد بالتعاقب على الرئاسة[6], وقد يعهد السيد إلى ابنه في سيادة القبيلة ألا إن هذا لا يعنى التعيين المطلق, إذ يجب أن تتوفر في الخلف صفات تؤهله لسيادة القبيلة وتنال رضي أبناء قبيلته.
وتتجلى الشورى أيضاً في وجود مجلس للقبيلة يرأسه سيد القبيلة, ويقوم هذا المجلس بحل مشكلات القبيلة وإدارتها , حيث تعرض فيه كل القضايا التي تهم القبيلة الداخلية والخارجية, ويكون أقرب إلى مجلس الشورى أو مجلس البرلمان في الوقت الحاضر[7], فكان للشورى أثر واضح في حياة أفراد القبائل العربية, وكان الأفراد ملتزمين بالتشاور والشورى, ويحترمون المشاورة ويأخذون بها.
وكان للشورى أثرها في حياة مكة وإدارتها , فشيوع روح التكافل الاجتماعي ومساعدة الأغنياء للضعفاء في المجتمع المكي يعكس اهتمام المكيين بالمساواة وروح الشورى والتضامن[8], وكذلك حل المشاكل التي تحدث بين قبائل قريش وغيرها سلمياً وبروح التفاهم والمشاورة في حل المشكلات, وخير مثال على ذلك حل الخلاف الذي وقع بين أحفاد قصي حول إدارة وظائف مكة, ويمكن أن نستدل على الشورى في حكم مكة من توزيع المناصب بين العشائر المختلفة على الأقل, فكانت السدانة والحجابة لبني عبد الدار بن قصي, والمشورة في بني أسد, والأشتاق لحمل الديات والغرامات في بني تيم, والسفارة في بني عدي , والرفادة كانت لبني هاشم ,وحين بعث النبي صلى الله عليه وسلم كانت الرفادة لبني هاشم وكان يتولاها في بداية البعثة العباس بن عبد المطلب[9].
وتتجلي الشورى بوجود دار الندوة التي أنشأها قصي بن كلاب (جمع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته, واللواء وبني داراً لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة, إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا وفصلوا فيها, ولا يعقد لواء ولا يعقد نكاح إلا بها, ولا تبلغ جارية ولا تدرع فتدرع إلا بها)[10], وجعل باب دار الندوة إلى المسجد الحرام حيث يجتمع فيها رؤساء الناس وزعماء القبائل (رجال الملأ)[11], للمداولة واتخاذ القرارات في كل ما يعنيهم من أمور, ويبدو أن اتخاذ القرارات يكون بالإجماع أو بالأغلبية, يظهر ذلك في قول أبى سفيان بن حرب بن أمية الذي كان أبرز شخصية في ملأ مكة في عهد النبوة, فهو القائل: (لست أخالف قريشاً, أنا رجل منهم ما فعلت قريش فعلت)[12].
وهناك ممارسات للشورى في مكة ساهم الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فيها, منها حضوره حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان لنصرة المظلوم والذي قال عنه صلى الله عليه وسلم (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم, ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)[13], وأيضاً لما اجتمعت قريش ـ بعد مشاورات ـ على إعادة بناء الكعبة واشترك النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العمل العظيم بل وقع عليه اختيار قومه لاستشارته وتحكيمه في الخلاف الذي وقع بينهم حول من يكون له شرف وضع الحجر الأسود في مكانه.
الشورى ومكانتها في الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
ترسخت الشورى أكثر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت آيات قرآنية تدعو المسلمين إلى التشاور وتؤكد على المشورة, بل سميت سورة قرآنية كاملة بسورة الشورى تأكيداً لهذا المبدأ وضرورته في حياة المسلمين, قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159). وأيضاً قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأمرهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى:38). وورد في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد الشورى, منها (ما ندم من استشار وما خاب من استخار )[14]. و (ما هلك امرؤ من مشورة قط )[15]. و(ما تشاور قوم إلا هدوا إلى أرشد أمرهم )[16]. و(المستشار مؤتمن )[17]. وروى سعيد بن المسيب عن على رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمضى فيه منك سنة, قال (أجمعوا له العالمين أو قال العابدين من المؤمنين فافعلوا شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد)[18].
وورد أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أراد أمراً فشاور فيه امرؤاً مسلماً وفقه الله لأرشد أموره)[19]. وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير من باطنها, وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظاهرها)[20].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمارس الشورى بنفسه, فقد ورد عن أبى هريرة أنه قال (ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)[21]. , فكانت سياسة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة على أساس الشورى في القضايا التي ليس فيها وحى, ولم تكن هناك طريقة ثابتة للشورى بل كانت تطبيقاتها متنوعة بحسب الحادثة وأهميتها والظروف المحيطة بها, ونذكر صوراً من النهج النبوي في الشورى:
الأخذ برأي ومشورة من شخص واحد وربما شخصين أو أكثر ما دام الأمر لا يتعارض مع نص يوافق عليه الجميع ويحقق مصلحة عامة, وأمثلة ذلك كثيرة, فقبل معركة بدر اختار الرسول صلى الله عليه وسلم موقعاً ليكون للحرب مع المشركين ولكن حباب بن المنذر بن الجموح اعترض على هذا الاختيار بقوله (يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه, أم هو الرأي والحرب والمكيدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو الحرب والمكيدة, فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل, فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي, فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت)[22]. فبفضل الشورى والتزام النبي صلى الله عليه وسلم بها أصبح العامل الجغرافي لصالح المسلمين فكانت حركة المسلمين أثناء القتال أسهل وشئونهم الإدارية أفضل مما أدى إلى رفع معنوياتهم وساعد ذلك إلى إحراز النصر.
وأيضاً قبيل معركة بدر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة سعد بن معاذ حينما أشار قائلاً (يا نبي الله ألا نبني عريشاً لتكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونا, فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا, وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا, فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم, ولو ظنوا أنك تلقي حرباً ما تخلفوا عنك, يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك)[23]. فأثني رسول الله خيراً ودعا له بخير, ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً وهو شبه خيمة يستظل بها ويراقب المعركة ويتخذها مقراً لقيادة المسلمين في القتال.
وحينما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تحزب الأحزاب وخروجهم لقتال المسلمين في السنة الخامسة للهجرة استشار أصحابه فيما يفعل, فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بالخندق وقال يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا, فأعجبهم ذلك وأحبوا الثبات في المدينة, وأمرهم رسول الله بالجد ووعدهم بالنصر إذا هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة.[24] وهكذا باتباع سياسة الشورى استطاع المسلمون الدفاع عن دولتهم والانتفاع من خبرات وتجارب الأمم الأخرى.
ونجد الشورى أيضاً بعد صلح الحديبية سنة 6هـ, إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق والتحلل من الإحرام فلم يجبه رجل إلى ذلك إذ كانوا يرجون دخول مكة وزيارة البيت الحرام فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل إلى أم سلمة مغضباً شديد الغضب, لكن أم سلمة أشارت عليه ألا يكتفي بالقول بل الأفضل أن يباشر هذا بنحر هديه أمامهم وعند ذلك سيقتدون به لأنهم سيوقنون أن قراره نهائي لا رجعة فيه, فقبل مشورة أم سلمة وقام بنحر هديه فسارع المسلمون إلى الاقتداء به وطاعته. وهكذا نجد الشورى أنقذت المسلمين من الهلاك والفرقة والاختلاف, والأخذ بها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعد المسلمين على طاعة أوامر رسول الله[25].
مشاورة جمهور الحاضرين:
أحيانا يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم بطلب الشورى والتعرف على آراء المسلمين الحاضرين معه, نجد ذلك واضحا في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين خرجوا معه قبل معركة بدر, ويروى بن هشام ذلك بقوله[26] (وأتاه الخبر عن قريش بمسيرتهم يمنعون غيرهم, فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش , فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن, ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن , ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أشيروا على أيها الناس) وإنما يريد الأنصار وذلك لأنهم مدد الناس وإنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا براء من زمامك حتى يصل من ديارنا, فإذا أنت وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك من ما نمنع منه أبناءنا ونساءنا, فكان رسول الله يتخوف ألا تكون الأنصار تري عليها نصرة إلا من دهمه من المدينة من عدوه, وأن ليس لهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم, فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد بن معاذ "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله, قال أجل, قال آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة, فامض يا رسول الله كما أردت نحن معك, فوالله الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضنه لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد, وما نكره أن تلقي بنا عدونا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك, فسر بنا على بركة الله, فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك, ثم قال (سيروا وابشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين, والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)[27]. فكان لالتزام القائد بمبدأ الشورى وتعرفه على آراء جنده أثر في التخطيط الناجح للمعركة ورفع معنويات الجنود, فكانت الشورى عاملا مهما في تحقيق النصر.
وبعد معركة بدر استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في كيفية معاملة أسري بدر, فأشار عليه عمر بن الخطاب بقتلهم لأن هؤلاء الأسري كانوا صناديد المشركين وقاداتهم وأئمتهم, وأما أبو بكر فقد أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية لأنهم بنو العم والعشيرة والإخوان, كما أن أموال الفدية ستساعد على تقوية المسلمين, وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي الفداء لما رأي جمهور أصحابه يريدون ذلك[28]. ثم نزلت الآيات القرآنية: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * َلوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنفال:67إلى 69) وفي الآية عتاب واضح لرسول الله وأصحابه لأخذهم بخلاف الأولى وقبولهم بالفداء, فالموقف كان يتطلب القوة والحزم والشدة مع المشركين, ثم أجاز الله عملهم وأخذهم الفداء لعدم ورود نص مسبق ينهي عن ذلك, وفي ذلك إشارة إلى الجواز في الأمور التي لم يرد فيها نص[29].
وربما اقتصرت الشورى على البعض دون الكل, وأحياناً مشاورة الناس عن طريق ممثليهم أو زعمائهم أو أهل الخبرة فيهم, ففي بيعة العقبة الثانية طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن يخرجوا له اثني عشر نقيباً, تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس, وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة فقد اختار أربعة عشر رجلاً وكان يرجع إليهم في الرأي[30].
بل كان للنبي صلى الله عليه وسلم أقرب إلى هيئة استشارية يستشيرهم في القضايا العامة تضم كبار الصحابة , منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب, أورد الإمام أحمد ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر وعمر : إن الناس ليزيدهم حرصاً على الإسلام أن يروا عليك زياً حسناً, قال وايم والله لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبداً) وفي رواية (ولو أنكما تتفقان في مشورة ما خالفتكما)[31] وربما كانت المشاورة لأصحاب الشأن وأهل الخبرة دون غيرهم, فمثلاً أثناء حصار الأحزاب للمدينة سنة 5هـ (فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري قائد غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابا إلى ذلك, فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا : يا رسول الله شيء تحب أن تصنعه أم شيء أمرك الله به أو شيء تصنعه لنا ؟ فقال بل لكم , رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم . قال سعد بن معاذ قد كنا نحن وهم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منا إلا قري أو بيعاً, فحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ؟ ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فترك ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم[32] وهذا يوضح فهم الصحابة للشورى ومجالاتها المسموح بها, وتخصيص النبي بالمشورة لهذين الصحابيين دون غيرهما لارتباط الأمر بهما وبقومهما, فهما زعماء الأوس والخزرج.
المشاورة في شئونه الخاصة:
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير خاصة أصحابه في أموره الخاصة حتى في قوت أهله وإدامهم, واستشار أصحابه في شأن زوجته عائشة عندما أخذ بعض الناس يشيعون حديث الإفك وكان ممن استشارهم على بن أبى طالب وأسامة بن زيد, فقال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيراً, وأما على فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك. فاتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى نساء بيته فسأل بريرة عنها بقوله:يا بريرة هل رأيت فيها شيئاً يريبك, فقالت بريرة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً أغمطه عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام على العجين فتأتي الداجن فتأكله, كما سأل زوجته زينب بنت جحش فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما رأيت منها إلا خيراً[33].
الشورى في عهد الخلفاء الراشدين:
الشورى في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
لقد شعر المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالحاجة إلى رئيس يحفظ كيان الأمة الجديدة ويوجهه حيث ورد أنهم "كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة"[34]. وكما قال أبو بكر مخاطباً المسلمين" لابد لكم من رجلٍ يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم"[35], فكانت الضرورة ملحة لانتخاب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبأسرع وقت ممكن ليدير شئون الأمة الإسلامية ويجمع كلمتها. ولابد من أن نشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد بالخلافة لأحد من بعده, وخير دليل إلى ذلك إسراع المهاجرين والأنصار إلى انتخاب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قول عمر بن الخطاب "فان استخلف فقد استخلف من هو خير منى وان اترك فقد ترك من هو خير منى"[36].
وقد ورد عن على بن أبى طالب قوله :"لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لأنفذنا عهده, ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت"[37] فيبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ربي أصحابه على مبادئ الشورى ورسخها في نفوسهم فتركهم مؤهلين لاستخلاف من يريدون. لقد انعزل الأنصار بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى سقيفة بني ساعدة, وكان عموم الأوس والخزرج يريدون مبايعة سعد بن عبادة, ولما بلغ المهاجرين مجمع الأنصار المذكور "بلغ أبا بكر وعمر المهاجرون فاتوا مسرعين"[38]. فاحتج المهاجرون بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم "فقالوا يا معشر الأنصار منا رسول الله فنحن أحق بمقامه"[39] وقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير"[40] فقال أبو بكر: منا الأمراء وانتم الوزراء, لا نختار دونكم بمشورة ولا نقضى دونكم الأمور"[41] وقال أيضاً ولكن قريشاً أولى بمحمد منكم"[42] ثم عرض عليهم عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح" فبايعوا أيهما شئتم" فأبيا عليه وقالا: والله ما كنا لنقدمك وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين, فضرب أبو عبيدة على يد أبى بكر وثنى عمر ثم بايع من كان معه من قريش ثم نادى أبو عبيدة يا معشر الأنصار ,لأنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير وبدل[43]. ثم تكلم عبد الرحمن بن عوف فقال "يا معشر الأنصار إنكم وان كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبى بكر وعمر وعلى[44]. فنهض الأوس والخزرج يبايعون أبا بكر الصديق ولم يتخلف من الأنصار أحد, وكانت هذه البيعة الخاصة, أما البيعة العامة فكانت في المسجد حيث جلس أبو بكر الصديق وأقبل الناس عليه ـ مهاجرين وأنصار ـ يبايعون.
ونلاحظ في بيعة أبى بكر الصديق رضي الله عنه ما يلي :
ـ أخذ المسلمين بنظر الاعتبار فضله وسبقه في الإسلام ومكانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم حيث انه ثاني اثنين إذ هما في الغار, وهو الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامة المسلمين في الصلاة أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه[45].
بلغت أعلى درجات الانتخاب الحر والشورى" فلما تمت البيعة لأبى بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم, يقول قد أقلتكم من بيعتي هل من كاره, هل من مبغض, فيقوم على في أول الناس فيقول والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبداً, قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوحيد ديننا من ذا الذي يؤخرك لتوحيد دنيانا"[46].
ـ ويظهر التقليد القبلي في بيعة أبى بكر من قول عمر بن الخطاب: "من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته"[47] وقول أبى بكر أيضاً "نحن أوسع العرب انساباً , ليس قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة"[48].
ـ وتظهر الشورى جلياً في إسراع الصحابة المهاجرين والأنصار على مبايعة أبى بكر الصديق على الخلافة وعدم تخلف احد منهم حيث رأوه أهلاً للخلافة وأحق بها, ثم جلوس أبي بكر بعد مبايعته ثلاثة أيام "يقيل الناس ويستقيلهم فيقول قد أقلتكم من بيعتي هل من كاره"[49] ليؤكد الشورى والانتخاب الحر في انتخابه وبيعته, ثم قوله مخاطباً المسلمين بعد بيعته "فإن أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني"[50] يعكس التزامه بمبدأ الشورى في سياسته.
ـ ثم ظهور البيعة يعكس بشكل أو بآخر التزام المسلمين بالشورى فكانت البيعة "هي العهد على الطاعة"[51], ولم يكن هناك أي نوع من الإكراه في مبايعة أبى بكر الصديق بل بايعه الجميع في رضي وسرور[52] وسمي أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت مهمته"[53] خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به".
مما تقدم يتضح دور الشورى في انتخاب الخليفة الأول أبى بكر الصديق رضي الله عنه, ونجد مظاهر الشورى واضحة في سياسة الخليفة الصديق, بل كان له اقرب من مجلس استشاري يتألف من كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب, على بن ابى طالب, عثمان بن عفان, عبد الرحمن بن عوف, سعد بن أبى وقاص, أبي عبيدة بن الجراح, وبعض الأنصار مثل زيد بن ثابت يعرض عليهم قضايا الدولة الإدارية والسياسية والعسكرية, وكان المسجد النبوي في المدينة هو مكان اجتماعهم, وأحياناً يقتصر الشورى على البعض منهم وربما بادر بعضهم إلى تقديم المشورة والرأي دون طلب من الخليفة. روى ابن سعد (لما ولي أبو بكر رضي الله عنه قال أصحابه اقرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه عن برديه إذا اخلقهما وضعهما واخذ مثلهما, وظهره إذا سافر ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف, فقال أبو بكر رضينا)[54], وبذلك كان للشورى اثر في إقرار المخصصات المالية وراتب من يتولى الخلافة.
وكان لمشورة عمر بن الخطاب واقتراحه على الخليفة الصديق اثر في قيام الخليفة بعمل عظيم ألا وهو جمع القرآن. أورد الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ مقتل أهل اليمامة ـ: إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن, واني أخشي إن استمر القتل بالقراء فيذهب كثير من القرآن, وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن, قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير, فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر ابى بكر وعمر رضي الله عنهما)[55]. فنجد إن الخليفة الصديق اخذ بمشورة عمر بن الخطاب لما رأي أن في ذلك مصلحة عامة وأيضاً لما كانت المصلحة لا تتعارض مع الوحي (الكتاب والسنة(.
وصورة أخرى من الشورى في حياة الخليفة الصديق ذلك أن أبا بكر لما أراد غزو الروم دعا علياً وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه الأنصار والمهاجرين من أهل بدر وغيرهم رضي الله عنهم, فدخلوا عليه فقال أبو بكر رضي الله عنه: رأيت أن استنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين ويجعل كلمته هي العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر, لان من هلك منهم هلك شهيداً وما عند الله خير للأبرار ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً من الله ثواب المجاهدين, وهذا رأيي الذي رأيته فليشر امرؤ على برأيه, فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الحمد لله الذي يخص بالخير من شاء من خلقه, والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم, والله رأيت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت فما قضى أن يكون حتى ذكرته فقد أصبت أصاب الله بك سبيل الرشاد, سرب إليهم الخيل في اثر الخيل وابعث الرجال بعد الرجال والجنود يتبعها الجنود فان الله ناصر دينه ومعز الإسلام بأهله.ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قام فقال: يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الصفر حد حديد وركن شديد ما أري أن نقتحم عليهم اقتحاماً ولكن نبعث الخيل فتغير في غواصي أراضيهم ثم ترجع إليك وإذا فعلوا ذلك بهم مراراً اضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم فقعدوا بذلك عن عدوهم, ثم نبعث إلى أرضي اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعا إليك ثم لئن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وان شئت أغزيتهم. فقال أبو بكر: ما ترون؟ فقال عثمان بن عفان أنى أرى انك ناصح لأهل هذا الدين شفيق عليهم, فإذا رأيت رأياً تراه لعامتهم صالحاً فاعزم على إمضائه غير ظنين. فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وكل من حضر المجلس من الصحابة والمهاجرين رضي الله عنهم, صدق عثمان, ما رأيت من رأي فامضه, وذكروا هذا وأشباهه وعلى رضي الله عنه في القوم لم يتكلم, فقال أبو بكر ما تري يا أبا الحسن, فقال إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء, فقال بشرك الله بخير, ومن أين علمت ذلك, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون)[56].
وبعد أن استمع الخليفة إلى آراء كبار الصحابة, وبعد المشاورات والمداولات في هذه القضية الهامة, اصدر الخليفة الصديق القرار الذي توصل إليه الصحابة بعد الشورى (ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام في الناس فذكر الله بما هو أهله وصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس إن الله قد انعم عليكم بالإسلام وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين علي كل دين, فتجهزوا ـ عباد الله ـ إلى غزو الروم بالشام فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم الولاية فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم)[57].
ولم تقتصر الشورى عند الخليفة الصديق عند قضايا الإدارة والسياسة بل كان يلتزم بالشورى حتى في القضاء لا سيما في المستجدات, أورد ابن القيم عن ميمون بن مهران (أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله, فإذا وجد ما يقضى بينهم قضي به, وان لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها, فان أعياه خرج فسأل المسلمين فقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضي في ذلك بقضاء, فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد الله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا, فان أعياه أن يجد فيه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به)[58].
الشورى في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
شعر الخليفة الأول أبو بكر الصديق وهو في مرضه الأخير بضرورة العهد إلى رجل من المسلمين ليخلفه فيهم إذا كان يخشي عليهم الفتنة والفرقة وزيادة الاضطرابات، خاصة وإن ظروف الدولة حرجة, فقد كانت الجيوش الإسلامية تقوم بمهام الفتح في العراق وبلاد الشام فأراد أن يجمع المسلمين على خليفة منهم فقال لهم: " يا أيها الناس, قد حضرني من قضاء الله ما ترون, وإنه لابد لكم من رجل يلي أمركم .. فان شئتم اجتمعتم فأتمرتم فوليتم عليكم من أردتم وإن شئتم اجتهدت لكم رأيي. فقالوا يا خليفة رسول الله أنت أخيرنا فاختر لنا.."[59] فظهرت الشورى واضحة بأوضح صورها في كلام الخليفة المذكور, فخير المسلمين أن يختاروا أو يختار لهم, فطلبوا منه أن يختار لهم لأنه أعرف بأصحابه وأدرى بهم وتهمه مصلحتهم لا سيما وانه في أيامه الأخيرة سيعلن جاداً في سبيل استخلاف خيرهم عليهم." قال سأجتهد لكم رأيي وأختار لكم خيركم إن شاء الله"[60]. فرشح لهم عمر بن الخطاب ليكون خليفة من بعده وأخذ يشاور الصحابة واستشار عبد الرحمن بن عوف فقال " والله ما أعلم صاحبك إلا صالحاً مصلحاً"[61] وحصل تردد عند بعض الصحابة مثل استخلاف عمر بن الخطاب فقال الخليفة الأول لطلحة "أبالله تخوفني , إذا لقيت ربى فسألني قلت استخلفت على أهلك خير أهلك"[62].
فلما رأي أبو بكر إجماع الصحابة على تولية عمر بن الخطاب الخلافة وموافقتهم بمن يستخلف لهم كتب " بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد أبي بكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم, أما بعد, قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا وإني ما الوتكم نصحاً والسلام"[63] وأخذ يوصى عمر بن الخطاب بالمسلمين خيراً , ثم عهد أبو بكر إلى أخذ إجماع المسلمين كافة (في المدينة) في استخلاف عمر بن الخطاب ." أشرف أبو بكر على الناس قال أترضون بمن استخلفت عليكم فإني والله ما الوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قربة, وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا, فقالوا سمعنا واطعنا[64].
يمكن ملاحظة ما يلي في استخلاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
ـ أنه استخلاف بني على رأي الخليفة الأول بعد أن اخذ وشاور الصحابة وكافة المسلمين في شخص عمر بن الخطاب.
ـ أن أبا بكر الصديق أراد من عمله المذكور مصلحة المسلمين إذ اجتهد في اختياره واستخلص موافقة المسلمين فضلاً عن أنه لم يختر أحداً من أبنائه وأقربائه.
وقد كانت سياسة الخليفة عمر بن الخطاب قائمة على أساس الشورى لكبار الصحابة وأحياناً عامة المسلمين, وربما اقتصرها على أهل الشأن والخبرة والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
ـ سمع عمر بن الخطاب تجمع الفرس لقتال المسلمين قبل معركة القادسية سنة 14هـ فأراد الخروج بنفسه, أورد الطبري (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في أول يوم من المحرم من سنة أربعة عشر نزل على ماء يدعى صرار فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم, وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف, وكان عثمان يدعى في زمان عمر رديفاً, وكانوا إذا لم يقدر هذان على شيء مما يريدون ثلثوا بالعباس, قال عثمان لعمر ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فأخبرهم الخبر الذي اقتصصناه في ذكر ما هيج أمر القادسية من اجتماع الناس على يزدجرد وقصد فارس أهلاك العرب, فقال العامة سر وسر بنا, فقال استعدوا فإني سائر إلى أن يجيء رأي هو أمثل من هذا, ثم بعث إلى أصحاب الرأي فاجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب فقال احضرونى الرأي فاجتمع ملؤهم على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيم ويرميه بالجنود... فقال له عبد الرحمن أقم وابعث جنداً فليس انهزام جندك كهزيمتك. (فنادي عمر الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه فقام في الناس فقال إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا, والمسلمون كالجسد الواحد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره, وكذلك يحق للمسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم من ذوى الرأي منهم, فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر, تبع لأولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبع لهم, يا أيها الناس, إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوى الرأي منكم عن الخروج, فقد رأيت أن أقيم وابعث رجلاً وقد أحضرت هذا الأمر من قدمت ومن خلفت.. فقال عمر من ترونه, فقال سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وأرسل أي سعد فأمره على العراق)[65] فترى أن الخليفة عمر بن الخطاب عدل عن رأيه ورأي عامة الناس إلى رأي أهل المشورة والخبرة من كبار الصحابة سواء في إقامته وبعث أحد الصحابة أو في اختيار الصحابي الذي يتولى القيادة في هذه المعركة الكبيرة, ويتكرر هذا مرة أخرى سنة 19هـ قبل معركة نهاوند (كانت عظماء الأعاجم من أهل قومس وأهل الري وأهل نهاوند قد تكاتبوا وتعاهدوا على أن يخرجوا من بلادهم وأن يغزوهم فبلغ ذلك أهل الكوفة ففزعوا بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فلما قدموا إليه نادى في الناس إلى صلاة جامعة فاجتمع الناس, ثم صعد المنبر فقال أيها الناس, إن الشيطان قد جمع جموعاً فأقبل بها ليطفئوا نور الله إلا أن أهل قومس وأهل الري وأهل همذان وأهل نهاوند قد تعاهدوا على أن يخرجوا العرب من بلادهم ويغزوكم في بلادكم, فأشيروا على. فقام طلحة فقال أنت ولي هذا الأمر, وقد أحكمت التجارب فادعنا نجب وأمرنا نطع فأنت مبارك الأمر ميمون النقيبة, ثم جلس فقال عمر تكلموا فقام عثمان فقال: أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون من شامهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم وتسير أنت بنفسك من هذين الحرمين إلى هذين المصرين من أهل الكوفة والبصرة فتلقي جموع المشركين في جموع المسلمين, ثم قام علي بن أبي طالب فقال: إنك إن أشخصت أهل اليمن سارت الحبشة إلى ذراريهم, وإنك إن شخصت من هذين الحرمين انتفضت عليك الأرض من أقطارها حتى تكون ما تخلف خلفك من العورات أهم إليك مما بين يديك, ولكن أرى أن تكتب إلى أهل البصرة فيفترقون, ففرقة تقيم في أهلها وفرقة يسيرون إلى إخوانهم بالكوفة, وأما ما ذكرت من كثرة القوم فلم نكن نقاتلهم فيما خلا بالكثرة ولكنا نقاتلهم بالنصر)[66]، فوافق الصحابة على هذا الرأي وأخذوا به, ثم طلب منهم اختيار القائد المناسب للمعركة (قال أشيروا علي به واجعلوه عراقياً) فخول الصحابة عمر بن الخطاب باختيار القائد لخبرته الكبيرة بالرجال فتم اختيار النعمان بن مقرن قائداً لمعركة نهاوند.[67] واستشار الخليفة الصحابة في قضية كبيرة أخرى تتعلق بأرض السواد.
روى أبو يوسف عليه رحمه الله (فلما افتتح السواد شاور عمر رضي الله عنه الناس فرأي عامتهم أن يقسمه وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك, وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يقسمه, وكان رأي عثمان وعلى مع رأي عمر رضي الله عنهم, وكان رأي عمر أن يتركه ولا يقسمه حتى قال عند إلحاحهم الهم اكفني بلالاً وأصحابه فمكثوا بذلك أياماً. فقال إني وجدت حجة قال الله تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الحشر:6), حتى فرغ من شأن بني النضير فهذه عامة في القرى كلها ثم قال: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7). ثم قال: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر:8) ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9) فهذا ما بلغنا والله اعلم للأنصار خاصة, ثم لم يرضي حتى خلط بهم غيرهم فقال: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر:10) فكانت هذه للمقاتلين وغيرهم, فكيف أقسمها بينهم فيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الأبناء وحيزت؟ ما هذا بالرأي, فقال عبد الرحمن بن عوف فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم, فقال عمر ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك. والله لا يفتح بعدى بلد يكون فيها كبير نيل بل عسى أن يكون كلأ للمسلمين, فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد الثغور؟ وما يكون للذرية وللأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولا أبناء القوم ولا أبناء أبنائهم ولم يحضروا؟ فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأي, قالوا فاستشر, فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا, أما عبد الرحمن بن عوف فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم, ورأي عثمان وعلى وطلحة وابن عمر رأي عمر فصرفهم وأرسل إلى عشرة من الأنصار, خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم فلما اجتمعوا عرض رأيه وحجته وقال إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم, فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق.. قالوا قل نسمع يا أمير المؤمنين.. قال قد رأيت أن أحبس بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفوق رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم. أرأيتم هذه الثغور؟ لابد لها من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لابد من شحنها بالجند وإدرار العطاء عليهم, فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟ فقالوا جميعاً الرأي لك, فنعم ما قلت ورأيت.. فقال قد بان لي الأمر فمن رجل له جزالة وعقل ويضع الأرض مواضعها ويضع العلوج ما يحتملون؟ فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا: تبعثه إلى أهم من ذلك, فان له بصراً وعقلاً وتجربة, فأسرع إليه عمر فولاه مساحة من أرض السواد[68].
ـ واستشار كبار الصحابة بتنظيم شؤون الدولة الإدارية والمالية إذ أورد البلاذرى (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له على بن أبي طالب تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شياً, وقال أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإن لم تحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ حسبت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام قد جئت بالشام فرأيت ملوكها دونوا ديواناً وجندوا جنداً فدون ديواناً وجند جنداً, فاخذ بقوله"[69].
ـ وكان الخليفة عمر بن الخطاب يستشير الصحابة في اختيار العمال والولاة (قال عمر لأصحابه دلوني على رجل استعمله على أمر قد همني, قالوا فلان قال لا حاجة لنا فيه قالوا فمن تريد, قال أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم, وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم, قالوا ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي, قال صدقتم فولاه)[70].
ـ واستشار أصحابه في اتخاذ تقويم وتاريخ خاص بالمسلمين (رفع إلى عمر صك في شعبان فقال أي شعبان؟ الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا للناس شيئاً يعرفونه, فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين فهذا يطول, وقال بعضهم اكتبوا على تاريخ فارس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح ما كان قبله, فأجمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوا عشر سنين فكتب التاريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم[71].
ـ قد يري ذوو الخبرة بأن مصلحة الدولة تتطلب أمراً معيناً فيبادرون بتقديم المشورة للخليفة من دون طلب مسبق منه ويأخذ الخليفة برأيهم إذا رأي المصلحة فيه, مثال لذلك ما قاله الأحنف بن قيس للخليفة عمر (يا أمير المؤمنين إنك قد نهيتنا عن الانسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا, وإن ملك فارس حي بين أظهرهم وأنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج احدهما صاحبه, وان ملكهم هو الذي يبعثهم, فلا يزال هذا رأيهم حتى تأذن لنا فنسيح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته ونقتله أو نلجئه إلى غير مملكته وغير أمته فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس, فقال صدقتني والله وشرحت لي الأمر)[72].
ـ خرج الخليفة ذات ليلة يعس فسمع امرأة مغلقة عليها بابها تنشد أبياتاً من الشعر تفيض شوقاً إلى لقاء زوجها ورغبة إليه فضرب باب الدار فما فتحت له حتى اطمأنت انه أمير المؤمنين واطمأن هو إلى عفافها قال لها: هيه كيف قلت؟ فأعادت إليه ما قالت فقال أين زوجك؟ قالت في بعث كذا وكذا, فبعث إلى عامل ذلك الجند أن سرح فلاناً, فلما قدم عليه قال اذهب إلى أهلك, ثم دخل على حفصة ابنته قال أي بنية, كم تصبر المرأة على زوجها؟ قالت شهراً وشهرين وثلاثاً وفي الرابع ينفد الصبر. فجعل ذلك أجلاً للبعث)[73].
لم تكن المشورة مقتصرة على سياسة الخليفة عمر بن الخطاب بل أصبحت مظهراً عاماً لساسة الدولة, إذ كان الخليفة يوصي عماله وولاته بجعل الشورى منهجاً لسياستهم (كتب عمر إلى القضاة مع أول قيامه أن لا تبتوا لقضاء إلا على ملأ, فإن رأي الواحد يقصر إذ استبد ويبلغ إذا استشار والصواب مع المشورة)[74] وأوصى القاضي شريح قائلاً (انظر في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً, وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك واستشر أهل العلم والصلاح)[75] ولما اختار الخليفة عمر أبا عبيد قائداً للقوات المتوجهة نحو الشام أوصاه قائلاً (اسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر)[76] وربما حدد الخليفة بعض أهل الخبرة يستشيرهم ويستأنس بهم, كتب عمر بن الحطاب إلى سعد بن ابى وقاص بالقادسية (قد أمددتك بألفي رجل, عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ولا تولها شيئاً)[77].
وربما استشار الصحابة في مسائل شخصية (روى أن ملكة الروم أهدت إلى زوجه أم كلثوم بنت على بن أبي طالب عقداً من جوهر, وكانت أم كلثوم قد أهدت إليها من طرائف بلاد العرب فوقع العقد في يد عمر حين أقبل به البريد فلم يشأ أن يؤديه إلى امرأته حتى أمر فنادى في الناس الصلاة جامعة, فلما اجتمع إليه المسلمون استشارهم في هذا العقد فكلهم أشار إليه بان يؤديه إلى أم كلثوم لأنه ملكها ولكنه تحرج من ذلك لأنه حمل إليها في بريد المسلمين فأمر برده إلى بيت المال, وأدى لامرأته ما أنفقت في هديتها لملكة الروم)[78].
الشورى في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:
حين أشرف الخليفة عمر بن الخطاب على الموت بعد الطعنة ورأي حرج الموقف, فطلب منه المسلمون أن يستخلف فأجابهم "فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى وإن أترك فقد ترك من هو خير منى, فان عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ)[79] فاستخلف النفر الذي توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ فأرسل إليهم وجمعهم وهم على بن أبي طالب, وعثمان بن عفان, وطلحة بن عبد الله, والزبير بن العوام, وسعد بن أبي وقاص, وعبد الرحمن بن عوف"[80]، ولم يترك عمر أمر الشورى فوضي بل حدده بثلاثة أيام "فأعزم عليكم بألا تتفرقوا في اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم[81] وأوصى أن يحضر جلسة الشورى ابنه عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء[82], وبعض شيوخ الأنصار والحسن بن على وعبد الله بن عباس وجميعاً ليس لهم من الأمر شيء وأوصي أن يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام[83], واتخذ عمر بن الخطاب عملاً آخر ليضمن نجاح الشورى حيث أوصي جماعة من المسلمين" وأقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً منهم وأبي واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف, فإن اجتمع أربعة وأبى رجلان فاضرب رأسيهما, فان رضي ثلاثة منهم وثلاثة منهم لم يرضوا فحكموا عبد الله بن عمر فليختر رجلاً منهم, فإن لم يرضوا حكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس"[84].
وبعد وفاة الخليفة الثاني اجتمع أصحاب الشورى واقترح عبد الرحمن بن عوف "أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم[85], فأراد أن يحصر المنافسة بأقل عدد من ستة, فقال "أنا انخلع منها[86] على أن يدير عبد الرحمن بن عوف جلسة الشورى "فقال القوم قد رضينا[87], وطلب منهم "أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير, وإن ترضوا من اخترت لكم من ميثاق الله إلا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مهلة"[88] علماً بأن الشورى انحصرت بين عثمان وعلى, فعزم عبد الرحمن على استشارة الناس فيمن يرشحون للخلافة بعد عمر. "ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ومن أوفى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس ولا يخلو رجل أو امرأة إلا أمره بعثمان"[89] بل استشار عدداً كبيراً من الناس بالمدينة, فخرج يلتقي الناس في أنقاب المدينة مثلما لا يعرفه احد, فما ترك أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاهم إلا سألهم واستشارهم .. أما أهل الرأي فأتاهم مستشاراً وتلقي غيرهم سائلاً من ترى الخليفة بعد عمر"[90], وكان يجمع المعلومات (لقد أمضى الثلاثة أيام يستعلم من الناس ما عندهم)[91]. وبعد هذه الخطوة التي استحصل فيها إجماع المسلمين في المدينة على استخلاف عثمان بن عفان, طلب من علي بن أبي طالب أن يعطه عهداً ليعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده, فقال على "أرجو أن افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي"[92]. ودعا عثمان وقال له مثل ذلك قال "نعم"[93] فكان هذا عاملاً آخر دفع عبد الرحمن بن عوف إلى مبايعة عثمان بن عفان بالخلافة[94], "اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .. وازدحم الناس يبايعون عثمان.. فجعل الناس يبايعونه.. ورجع علي فشق الناس حتى بايع"[95].
مما يوضح الشورى في بيعة عثمان بن عفان أن طلحة كان غائباً عن المدينة ورجع في اليوم الذي بويع فيه لعثمان "فقيل له بايع عثمان, فقال أكل قريش راضٍ به؟, قالوا نعم.. فأتى وقال أكل الناس بايعوك؟, قال نعم, قال: قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه, وبايعه"[96].
أما مظهر الشورى والمشاورة فنجده كثيراً في سياسة عثمان بن عفان, وكانت متنوعة نذكر منها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
* قسم العلوم السياسيَّة ـ الجَّامعة الإسلاميَّة العالميَّة ـ ماليزيا.
[1] لسان العرب, ابن منظور /ج4, ص434.
[2] محكم القرآن, ابن العربي, ج 1, ص2367.
[3] الإسلام وفلسفة الحكم, محمد عمارة, ص48- 49, التاريخ السياسي للدولة العربية, عبد المنعم ماجد, ج 1, ص84- 90.
[4] في النظام السياسي للدولة الإسلامية, محمد سليم العوا, ص40.
[5] عيون الأخبار, ابن قتيبة, ص32.
[6] إدارة القبيلة في الإسلام, خالد احمد العسلي, ص5,
[7] محاضرات في تاريخ العرب, صالح احمد العلي, ص157.
[8] النظم الإسلامية, عبد العزيز الدوري, ص14.
[9] الروض الانف, السهيلي, ج1, ص85- 90.
[10] السيرة النبوية, ابن كثير, ج1 ص97.
[11] مكانة الشورى في سياسة وإدارة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم , هشام يحي الملاح , ص172.
[12] الطبقات الكبرى, ابن سعد, ج1, ص70.
[13] السيرة النبوية, ابن هشام, ج1, ص141.
[14] الدر المنثور, السيوطي, ج2 ص 90.
[15] مروج الذهب, المسعودي, ج2, ص296.
[16] فتح الباري, ابن حجر العسقلاني, ج27, ص297.
[17] السنن. الترمذي, باب الأدب, رقم الحديث, 2747.
[18] السنن, الدرامي, كتاب المقدمة, رقم الحديث 117.
[19] الأوسط, الطبراني.
[20] السنن, الترمذي, الفتن, 2192.
[21] زاد المعاد, ابن الجو زى, ج2, ص227.
[22] السيرة النبوية, ابن هشام, ج1, ص620.
[23] السيرة النبوية, ابن هشام, ج1, ص620.
[24] الكامل, ابن الأثير, ج2, 178.
[25] المغازى, الوافدي, ج2, ص607.
[26] المصدر السابق, قسم 1, 615.
[27] صحيح مسلم, حديث رقم 3330 .
[28] تاريخ الرّسل، الطبري، ج2، ص 474.
[29] الكشاف, الزمخشري, ج1, ص 474.
[30] السيرة النبوية, ابن هشام, ج1, ص439 – 443.
[31] مسند احمد, الإمام أحمد, ج4, ص 227, فتح الباري, ابن حجر, ج7, ص103.
[32] السيرة النبوية, ابن هشام, ج2, ص223.
[33] المصدر السابق, ج2, ص 195.
[34] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص201.
[35] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص22.
[36] الطبقات, ابن سعد, ج3, ص343.
[37] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص 236.
[38] تاريخ, اليعقوبي, ج2, ص142.
[39] المصدر السابق, ج2, ص123.
[40] المصدر السابق, ج2, ص123, تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص202.
[41] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص102, شرح نهج البلاغة, ابن حديد, ج4, ص4.
[42] تاريخ اليعقوبي, ج3, ص123.
[43] المصدر السابق, ج2, ص124.
[44] المصدر السابق, ج2, ص124.
[45] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص203.
[46] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص22.
[47] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص203.
[48] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص 18.
[49] المصدر السابق, ج1, ص22.
[50] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص203.
[51] المقدمة, ابن خلدون, ص209.
[52] في التاريخ الإسلامي, عماد الدين خليل, ص11 – 17.
[53] انظر الخلافة نشأة الأحزاب الإسلامية, محمد عمارة, من ص 21 – 23.
[54] الطبقات الكبرى, ج3, ص120, المنتظم, ابن الجوزي, ج4, ص71.
[55] صحيح البخاري, باب جمع القرآن, رقم الحديث 1, 46.
[56] حياة الصحابة, الكندهلوى, ج1, 651.
[57] المصدر السابق, الشورى, النحوى, ص 425 ج.
[58] أعلام الموقعين, ج1, ص62.
[59] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص25.
[60] المصدر السابق, ج1, ص23.
[61] تاريخ اليعقوبي, ج2, 137.
[62] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص433.
[63] تاريخ اليعقوبي, ج2, ص136.
[64] تاريخ الرسل, الطبري, ج2, ص428.
[65] تاريخ الرسل, الطبري, ج3, ص480, المنتظم ابن الجوزي, ج4, ص160.
[66] المنتظم, ابن الجوزي, ج4, ص273.
[67] الكامل, ابن الأثير, ج3, ص8.
[68] الخراج, أبو يوسف, ص67 – 70.
[69] فتوح البلدان, البلازدورى, ص492.
[70] الشورى, النحوي, ص477.
[71] المنتظم, ابن الجوزي, ج4, ص226.
[72] المصدر السابق, ص234.
[73] المصدر السابق, ص482.
[74] سنن الدرامي, الدرامي, ج1, ص 58.
[75] أعلام الموقعين, ابن القيم, ج1, ص62 – سنن الدرامي, الدرامي, كتاب المقدمة, رقم الحديث 165.
[76] المنتظم ابن الجوزي, ج4, ص145.
[77] المصدر السابق, ص282.
[78] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص260.
[79] الطبقات, ابن سعد, ج3, ص342.
[80] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص228, تاريخ اليعقوبي, ج2, ص160, صحيح مسلم, رقم الحديث 879.
[81] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج2, ص28.
[82] المصدر السابق, ج1, ص28.
[83] تاريخ اليعقوبي, ج2, ص160, الكامل, ابن الأثير, ج3, ص25.
[84] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص228, تاريخ اليعقوبي, ص160.
[85] المصدر السابق, ج4, ص23.
[86] المصدر السابق.
[87] المصدر السابق.
[88] المصدر السابق.
[89] المصدر السابق.
[90] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص162.
[91] الأحكام السلطانية, المارودى, ص12.
[92] المصدر السابق, تاريخ اليعقوبي, ج2, ص162.
[93] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص 1233, تاريخ اليعقوبي, ج2, ص162.
[94] انظر النظم الإسلامية, عبد العزيز الدورى, ص34.
[95] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص238, تاريخ, اليعقوبي, ج2, ص162.
[96] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص1234, الكامل, ابن الأثير, ج3, ص37.
[97] الكامل, ابن الأثير, ج3, ص 111.
[98] الكامل, ابن الأثير, ج3, ص49 1.
[99] المصدر السابق ج3, 155.
[100] المصدر السابق, ج3, 170.
[101] الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص46.
[102] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, ص427, الكامل, ابن الأثير, ج3, ص98.
[103] تاريخ الرسل, الطبري, ج4, 427.
[104] المصدر السابق والصفحة.
[105] المصدر السابق, ج4, ص1434, راجع الإمام على بن أبي طالب, رجل المثل والمبادئ, هاشم يحي الملاح, ص59.
[106] انظر الإمامة والسياسة, ابن قتيبة, ج1, ص46, الكامل, ابن الأثير, ج4, ص192.
[107] الكامل, ابن الأثير, ج4, 197.
[108] الكامل, ابن الأثير, ج4, ص316.
[109] زاد المعاد, ج2, ص127.
[110] الجامع لأحكام القرآن, ج4, ص249.
[111] زاد المعاد, ج2, 127.
[112] فتح الباري, ابن حجر, ج117, ص102.
[113] قواعد نظام الحكم في الإسلام, الخالدي, ص150 – 153, الشورى طبعة الحاكمية في الإسلام, مهدي فضل الله, ص113- 119.
[114] الإسلام وأوضاعنا السياسية, عبد القادر عودة, ص120- 121, في النظام السياسي للدولة الإسلامية, محمد سليم عوا, ص182.
[115] المصدر السابق ص187 – 188.
[116] السنن, الدارمي, كتاب المقدمة, رقم الحديث 117.
قائمة المصادر والمراجع:
1. الأحكام السلطانية والولايات الدينية, أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب المارودي, طبعة مصطفي حلبي, (القاهرة, 1966م).
2. أحكام القرآن, ابن العربي, تحقيق علي بن محمد البجاوي, ط2, (القاهرة, 1968م).
3. إدارة القبيلة قبل الإسلام, د. خالد صالح العسلي, محاضرات جامعة بغداد, كلية الآداب, 1988م.
4. الإسلام وأوضاعنا السياسية, عبد القادر عودة, (القاهرة, 1951م).
5. الإسلام وفلسفة الحكم, د. محمد عمارة, دار الشروق, (القاهرة1989م).
6. إعلام الموقعين عن رب العالمين, ابن القيم الجوزية, طبعة الكليات الأزهرية, (القاهرة, 1968م).
7. الإمامة والسياسية, عبد الله بن مسلم بن قتيبة, تحقيق طه محمد الزيني, (القاهرة, 1967م).
8. الأوسط (المعجم الأوسط), أبو القاسم الطبراني, تحقيق د. محمود الطحان, (الرياض, 1986م).
9. البداية والنهاية, أبو الفداء عماد الدين بن كثير, دار المعار (بيروت, 1961م).
10. تاريخ ابن خلدون (العبر وديوان المبتدأ والخبر), عبد الرحمن بن محمد بن خلدون, (بيروت 1966م).
11. تاريخ الخلافة الراشدة, محمد بن احمد كنعان, مؤسسة المعارف, ط1, (بيروت, 1997م).
12. تاريخ الرسل والملوك, أبو جعفر محمد بن جرير الطبري, تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم, دار المعارف, (مصر, 1961م).
13. التاريخ السياسي للدولة العربية, عبد المنعم ماجد, (القاهرة 1967م).
14. تاريخ اليعقوبي, احمد بن محمد أبي يعقوب بن جعفر, دار صادر, (بيروت 1960 م).
15. جامع الأحاديث (الجامع الصغير وزوائده والجامع الكبير), جلال الدين السيوطي, جمع وترتيب عباس احمد صقر, احمد عبد الجواد, (بيروت, 1984م).
16. الجامع الصحيح, (صحيح البخاري), أبو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري, دار الفكر, (بغداد, 1986م).
17. حياة الصحابة, محمد يوسف الكاندهلوى, ط2, (بيروت 1983م).
18. الخراج: أبو يوسف يعقوب إبراهيم, تحقيق د. محمد إبراهيم البناء, دار الصلاح, (القاهرة, 1981م).
19. الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية, د. محمد عمارة, ط2, (بغداد 1984م).
20. الدر المنثور في التفسير بالمأثور, جلال الدين عبد الرمن السيوطي, (بيروت, د.ت).
21. الروض الانف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية, لابن هشام, عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي, (القاهرة, 1914م).
22. زاد المعاد في هدي خير العباد, ابن القيم الجوزية, تحقيق شعيب الاناؤط, مؤسسة الرسالة, (بيروت, 1079م).
23. السنن, أبو عيسي محمد بن عيسي بن سورة الترمذي, المكتب الإسلامي, (الرياض, 1408هـ).
24. السنن, أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن الفضل الدرامي, دار الكتب العلمية, (بيروت د.ت).
25. السنن النبوية, أبو الفداء عماد الدين بن كثير, دار المعارف, (بيروت 1976م).
26. شرح نهج البلاغة, محمد بن هبة الله بن محمد الحسين بن أبي الحديد, دار الكتب العربية, (القاهرة 1911م).
27. الشورى وممارستها الإيمانية, د. عدنان على رضا النحوي, ط3, (الرياض, 1988م).
28. الشورى طبيعة الحاكمية في الإسلام, د. مهدي فضل الله, دار الأندلس, ط1, (بيروت 1984م).
29. صحيح مسلم, أبو الحسين مسلم بن الحجاج, ط2, (الرياض, 1980م).
30. الطبقات الكبرى, ابن سعد أبو عبد الله محمد الزهري, (بيروت 1957م).
31. عيون الأخبار, ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم, (بيروت 1925م).
32. فتح الباري شرح صحيح البخاري, احمد بن علي حجر العسقلاني, (بيروت 1379هـ).
33. فتوح البلدان, أبو الحسن احمد بن يحي البلاذردي, (بيروت, 1976).
34. في التاريخ الإسلامي فصول في المنهج والتحليل, د. عماد الدين خليل, المكتب الإسلامي, (بيروت, 1981م).
35. في النظام السياسي للدولة الإسلامية, د. محمد سليم العوا, دار الشروق, القاهرة, 1989م.
36. الكامل في التاريخ, عز الدين على بن عبد الواحد الشيبانى ابن الأثير, (بيروت, 1065م).
37. الكشاف عن حقائق التتريل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل, محمود بن عمر الزمخشري, ط1, دار الكتاب العربي, (بيروت, د.ت).
38. لسان العرب, أبو الفضل جمال بن محمد بن منظور, (1956م).
39. محاضرات في تاريخ العرب قبل الإسلام, د. صالح احمد العلى, (بغداد, 1981م).
40. مروج الذهب ومعادن الجوهر, أبو الحسن على بن الحسين بن علي المسعودي, ط4, دار الأندلسي, (بيروت, 1981م).
41. المغازي, محمد بن عمر الواقدي, تحقيق مارسدي جون, (بيروت, 1966م).
42. مقدمة بن خلدون, عبد الرحمن بن محمد بن خلدون, (القاهرة, 1965م).
43. مكانة الشورى في سياسة وإدارة الرسول صلى الله عليه وسلم د. هاشم يحي الملاح, المؤرخ العربي, العدد 30, (بغداد, 1986م).
44. النظم الإسلامية, د. عبد العزيز الدوري, مطبعة بيت الحكمة, (بغداد, 1988م).
45. نظام الحكم في الإسلام, د. عارف خليل أبو عبد, دار النفائس, (عمان, 1986م).
المصدر : مجلة دراسات دعوية ـالعدد 11 ـ يناير 2006م ــ جامعة افريقية العالمية


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الجذور التاريخية للشورى وتطبيقاتها في عصر النبوة والخلافة الراشدة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7