الرئيسة من صفحات التاريخعام 2011المد الإسلامي عبر التاريخ (6)
 
السبت 24 ديسمبر 2011
فتح القسطنطينية

المد الإسلامي عبر التاريخ (6)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .. وبعد ..فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة ، وأكمل حديثي فأقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل قبيل دخوله المدينة المنورة ببلدة " قباء " ، فأقام بها بضعة عشرة ليلة ، شيد خلالها مسجدا متواضع البناء ، يعرف إلى الآن بمسجد " قباء " وهو أول مسجد بُنيَ في الإسلام ،  ثم أدركته صلاة الجمعة وهو داخل المدينة في منازل لقبيلة تسمى "بني سالم بن عوف" فأقام بها مسجدا آخر وصلى فيه الجمعة بمن معه ، وخطب فيهم خطبة حمد الله فيها وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم ، تعلمنّ والله ليصعقنّ أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك ؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته(1).

ثم خطبهم صلى الله عليه وسلم الخطبة الثانية ، فقال : إن الحمد لله أحمده وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إن أحسن الحديث كتاب الله ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه  ، أحبوا من أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا كلام الله وذكره ، ولا تقسُ عنه قلوبكم ، فإنه من يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد ، والصالح من الحديث ، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن ينكث عهده ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (2).

ثم سار صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الجمعة حتى دخل وسط المدينة ، وهناك وجد أهلها في استقباله ، الصغير والكبير ، الرجال والنساء ، الكل قد هتف عند رؤيته : الله أكبر ، جاء محمد ، وتلقوه بالفرح والسرور والبشر ، حتى كان يوما مشهودا ، لم تر المدينة مثله في تاريخها ..

وصار صلى الله عليه وسلم لا يمر بدار من دور الأنصار ألا ودعاه أهلها للنزول عندهم ، لينالوا بذلك الشرف في الدنيا والآخرة ، إلا أنه نزل عند أخواله من بني النجار في المكان الذي أوحى الله إليه ببناء مسجده فيه ، ثم قال ‏:‏ أي بيوت أهلنا أقرب ‏؟‏‏‏ فقال أبو أيوب‏ :‏ أنا يا رسول الله ، هذه داري ، وهذا بأبي‏ ،‏ فقال‏‏ صلى الله عليه وسلم : ‏‏فانطلق فهيئ لنا مقيلًا ‏( مكانا نقيل فيه) فعاد أبو أيوب وقال : على بركة الله ، فمشي معه وأقام عنده حتى فرغ من بناء مسكنه بجوار المسجد ، وانتقل إليه(3).

وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فور استقراره في المدينة في تأسيس دولته الإسلامية ، ووضع القواعد اللازمة لها ، وسن بوحي الله عز وجل الدساتير التي ستقوم عليها بصورة تدريجية كالبناء الذي يعلو شيئا فشيئا ، فبدأ بتشييد المسجد لأنه كان من أولويات الدولة ، إذ كانت تقام فيه الصلاة ، وتُلقى فيه دروس العلم لكل المسلمين ( الرجال والنساء والأطفال) ويستقبل فيه صلى الله عليه وسلم الوافدين عليه والراغبين في الإسلام ، ويبعث منه سفراءه ويستقبلهم ، ويلتقي فيه بأصحاب المشورة والرأي من أصحابه لبحث ودراسة الأمور التي تهم المسلمين ، وإيواء المهاجرين العزاب الذين لم تستوعبهم بيوت الأنصار .

وتنطلق منه السرايا والغزوات قبل زحفهم ، وتعلن فيه التعليمات الطارئة ، حتى الحفلات والأفراح كانت غالبا ما تقام بهذا المسجد.

وكان صلى الله عليه وسلم في مقدمة من عمل في بناء هذا المسجد ‏‏رغم أن سنه قد جاوز الثالثة والخمسين ، حيث كان ينقل مع أصحابه التراب والحجارة ، حتى أتم بنيانه في فترة وجيزة ، وكان غاية من البساطة ، جدرانه بالطوب النيئ (اللبن) ، وسقفه بالجريد ، وجعل له أعمدة من خشب النخيل ، وفرشت أرضه بالحصباء ، وجعل في ناحية القبلة جزع نخلة يخطب عليه صلى الله عليه وسلم ، حتى يكون صوته مسموعا وواضحا ، ويبدو أنه بعد فترة من الزمن لم يكن صوته يسمع كل المصلين ، وخاصة النساء اللائي كن يجلسن في مؤخرة الصفوف ، واحتاج إلى مكان عال يقف عليه ليسمع صوته ، فجاءته امرأة من الأنصار ، وقالت يا رسول الله : إن عندي غلاما (عبدا) صانعا أأمره أن يصنع لك منبرا ؟ قال : نعم ، وصنعه الغلام على ثلاث درجات ، دون أن يحدد له صلى الله عليه وسلم أي حجم معين ، أو عدد من الدرجات .

وصار صلى الله عليه وسلم يجتمع بأصحابه في هذا المسجد خمس مرات في اليوم والليلة ؛ لأداء الصلوات الخمس التي فرضها الله عليهم ، وشرع الله عز وجل لهم في هذه الفترة الأذان ، وهو إعلام المسلمين بدخول وقت الصلاة ونداؤهم لأقامتها ، وذلك بكلمات تشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة .

وبعد فراغه من المسجد بعث صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة وبعض أصابه ليجيئوه بأولاده وزوجته ، وأبناء أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ليجمع شمل المسلمين في المدينة ؛ حتى يأمن عليهم ، ثم لحق به من هاجروا من قبل إلى الحبشة ما عدا من أبقوا لحاجة الدعوة ، ونشر الإسلام بها ، كما أحضر مسلمي القبائل العربية الذين كانوا مستضعفين بين قومهم ، أو خاف أن ينالهم مكروه إذا نشبت حرب بينه وبين أحد من المشركين (4) .

ولم يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء ذلك أن يكدس المسلمين في مكان واحد ، يضيق بهم فيما بعد ؛ لأنه كان يعلم تماما ما لذلك من أضرار اقتصادية ، إنما كان هدفه هو الناحية الأمنية فقط ، لأنه فيما بعد كان يأمر الوفود الإسلامية بالعودة إلى ديارها بعد استتباب الأمن في الجزيرة العربية ، يؤكد ذلك ما ذكره الواقدي أنه وفد عليه صلى الله عليه وسلم أربعمائة من مزينة ، وذاك في رجب سنة خمس ، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم ، وقال : أنتم مهاجرون حيث كنتم ، فارجعوا إلى أموالكم .

وبعد ذلك بدأ صلى الله عليه وسلم في تنظيم شأن دولته ، وتمثل عمله فيما يأتي :

1ـ المؤاخاة بين المسلمين (مهاجرين وأنصارا) على المواساة في كل شيء حتى في التوارث بعد الموت، وذلك للقضاء على العصبية الجاهلية التي سادت الجزيرة العربية وقتها ، ولتحقيق مبدأ التكافل بين المسلمين ، والتكامل الاقتصادي ، حيث كان صلى الله عليه وسلم يختار للمزارع من المهجرين صاحب أرض من الأنصار ، ويختار لصاحب الصنعة من المهاجرين صاحب مال من الأنصار.

وغرس المحبة بين الأفراد المسلمين ، والحيلولة دون حدوث الشحناء التي غالبا ما تحدث داخل المجتمع الذي يتكون من أجناس مختلفة ، وإسقاط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام‏ ، وكان عمله هذا هو السبيل ليحافظ به على مجتمعه المسلم الصغير، وسط عالم من الشرك ، يحيط به من كل مكان .

وقد نتج عن هذه المؤاخاة ترابط تام بين أفراد المجتمع الإسلامي ، ترابط لم يحدث له مثيل في تاريخ البشرية ، وصار هذا المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تألمت له سائر الأعضاء ، حتى قال الله تعالى في وصفهم :" وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم "(5) .

وحرص صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على تعهد أفراد هذا المجتمع بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس ، والحث على مكارم الأخلاق ، فالنفس البشرية كثيرا ما يطرأ عليها ما يغيرها أو يضعف همتها ، وكم من أمة وضعت من القوانين الحسنة ما يوصف بالحسن والمثالية ، لكن هذه القوانين لم تنتقل إلى حيز التنفيذ ؛ لأن أهلها لم يجدوا من يتعدهم بالتربية على احترامها ، أو لم يجدوا من يرغبهم في احترامها ‏.‏

2 ـ وضع الدستور والقوانين الذي سيسير عليها هذا المجتمع المسلم ، وهذه القوانين اشترط فيها أن يكون مرجعها الله ورسوله ، فقال صلى لله عليه وسلم : وإنكم مهما اختلفـتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد صلى الله عليه وسلم (6) كما إن هذه القوانين كانت محدودة ثم توسعت بتوسع الدولة الإسلامية وازدياد حاجتها ، واعتمد صلى الله عليه وسلم في تطبيقه لهذه القوانين على التذكير بمبادئ الأخوة السابقة ، ثم بإثارة الوازع الداخلي داخل النفس البشرية ، فذلك أفضل طريق للوصول بها إلى الحق ، وجعلها تسلم به وإن خالف مزاجها .

3 ـ  تنظيم علاقة المسلمين بغيرهم ، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلام والسعادة والخير لمن عاش معه مسلما أو غير مسلم ، مع تنظيم المنطقة التي يحيى بها في وفاق واحد ، وسن في ذلك قوانين تقوم على السماحة وحسن المعاشرة ‏.‏

وأقرب من كان يجاوره من غير المسلمين هم اليهود ، وكانوا يعلمون صدق رسالته ، كما قال تعالى " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "(7) وأسلم بعض علمائهم فور دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة ، مثل أُبي بن كعب ومخيرق ، وعبد الله بن سلام ..

أما من بقوا على دينهم فقد عقد معهم معاهدة تضمن له ولهم حسن الجوار، وتتيح للجميع حرية المعيشة وحرية الاعتقاد داخل المدينة ، والتعاون على ما يفيده ويفيدهم.

وهذا جزء من نص المعاهدة " .. وإن يهود بني عوف ( القبيلة الأولى التي عقد المعاهدة باسمها ) أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يوتغ (يُهلك) إلا نفسه ، وأهل بيته ، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف ، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف ، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف ، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يوتغ؟؟ إلا نفسه وأهل بيته ، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف ، وإن البر دون الإثم ، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم ، وإن بطانة يهود كأنفسهم .

وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنه لا ينحجز على نار جرح ، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته ، إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا ، وإن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه ، وإن النصر للمظلوم ؛ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم  ، وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها ، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها ، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين النصرة، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم .

وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ، مع البر المحض ؛ وأن البر دون الإثم ، لا يكتسب كاسب إلا على نفسه ، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم ، وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم ؛ وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم(8) .                                                                                             

ويلاحظ على هذه الوثيقة أنها ساوت في الحقوق تماما بين المسلمين واليهود في المدينة ، وأنها جعلت التعامل بين المسلمين وغيرهم في كل المعاملات مرده فقط إلى الله ورسوله أيضا ـ أي لا يخالف حكما من أحكام الله ـ وما سار على اليهود سار على غيرهم ممن لم يسلم من أهل يثرب.

وإلى لقاء آخر إن شاء الله .

ـــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1ـ  ابن هشام : السيرة ج3 ص30 وابن كثير : البداية ج3 ص214

2 ـ  ابن كثير : البداية ج3 ص214

3 ـ الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص 97

4 ـ عيون الأثر ج1 ص 286

5 ـ سورة " الأنفال " : الآية 63

6 ـ ابن كثير : البداية ج3 ص225

7 ـ سورة " البقرة " : الآية 146

8 ـ ابن كثير : السيرة ج2 320 وما بعدها

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المد الإسلامي عبر التاريخ (6)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7