الرئيسة من صفحات التاريخعام 2011المد الإسلامي عبر التاريخ (5)
 
الجمعة 23 ديسمبر 2011
فتح القسطنطينية

المد الإسلامي عبر التاريخ (5)

انتهى بنا الحديث في الحلقة الرابعة من المد الإسلامي عند انتقال الإسلام إلى يثرب ( المدينة ) بعد بيعة العقبة الأولى وانتشاره بين كثير من سكانها على يد مصعب بن عمير ومن ساعده من سادة الأنصار ، واليوم نكمل حديثا فنقول ـ وبالله التوفيق ـ إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في العام التالي لحضور موسم الحج , وبرفقته من تبعه على الإسلام من أهل يثرب ، إضافة إلى الفوج الأول الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الماضي ..

 

وقد خرجوا فرادى وجماعات مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة , وهناك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضورهم فأرسل من يتفق معهم على أن يلتقوا به صلى الله عليه وسلم سرا عند العقبة التي التقوا عندها في العام الماضي في أواسط أيام التشريق ؛ كي لا يعلم بهذا اللقاء أحد من المشركين فتقع الفتنة بين الطائفتين ( المسلمة والكافرة ) في مكان قدسه الله وعظمه ، وجعله ملتقى لأداء مناسك الحج ..

فخرجوا إليها متسللين رجلا ورجلين بعد أن مضى ثلث الليل , حتى اجتمعوا كلهم دون أن يشعر بهم أحد من المشركين , وكانوا قرابة السبعين أو ثلاثة وسبعين, وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بيعة سميت ببيعة "العقبة الثانية"(1). .

وكان مما قاله لهم رسول الله : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل , والنفقة في العسر واليسر , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن تقولوا الحق لا تخافوا في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم , فقالوا : فما لنا إن بايعنك على ذلك ؟ قال : لكم الجنة , فأخذ بيده رجل منهم يسمى " البراء بن معرور" و قال : نعم . فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (أهلينا وأنفسنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر , فرد عليه رسول الله بقوله: "وأنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم ".

فقام ثان ويسمى " أسعد بن زرارة " وقال : رويدا يا أهل يثرب !! فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل (أي نسافر المسافات الطويلة) إلا ونحن نعلم أنه رسول الله , وإن إخراجه اليوم مناوأة ( معاداة ) للعرب كافة ، وقتل خياركم , فإن كنتم قوما تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله ، وأن كنتم قوما تخافون من أنفسكم خيفة فذروه , فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله , فقالوا : أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ، ولا نسلبها أبدا .

وأراد "العباس بن عبادة" أن يؤكد على كلام أسعد فقال : يا معشر الخزرج ! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم , قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس , فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة , وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال , وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف, فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : الجنة, قالوا :أبسط يدك فبسط يده فبايعوه , فأنزل الله فيهم " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"(2)..

هؤلاء هم الناس الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية في يثرب التي سماها رسول الله فيما بعد "المدينة المنورة" وهذه هي الشروط التي اشترطها رسول الله على من يريد أن ينضم إلى حزبه (حزب الله) في إقامة دولة الإسلام , وفي نشره على مر التاريخ ، شروط بعيدة كل البعد عن مكاسب الدنيا , بل تجعل الواحد يتجرد من كل شيء , ويبذل كل غال ورخيص , ويضحي بماله ونفسه في سبيل شيء واحد فقط وهو الجنة , ومع إن رسول الله كان في أمس الحاجة إلى هؤلاء لينصروا دعوته بمفهومنا الدنيوي إلا أنه وضح لهم حقيقة الطريق الذي سيسيرون عليه معه وتبعاته (3)..

كما أن هذه الشروط التي أخذها الأنصار على أنفسهم لم تكن مجرد وعود يرضون بها رسول الله , وإنما وفوا بها خير وفاء , فقد فتحوا بيوتهم لمن هاجر إليهم من مكة , وأشركوهم في أموالهم وهم سعداء بذلك , حتى قال عنهم القرآن "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (4). ..

وخاضوا معه كل المعارك التي خاضها حتى كانوا أكثر العرب شهداء , فقد قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون .

وبعد أن بايعهم رسول الله قال : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم, فأخرجوا تسعة من الخزرج , وثلاثة من الأوس عينهم عليهم ليتولوا شئونهم؛ لأنه كان يحب النظام , ويحب أن يدير أصحابه شئونهم على النظام .

ثم عادوا إلى يثرب جميعا دعاة إلى الله , وفي عنقهم بيعة الحق، وأخذوا يدعون من بقي من قومهم على شركه لاعتناق الإسلام , حتى إذا صارت الغلبة فيها للإسلام وأهله ، وأن من بقوا على شركهم صاروا قلة قليلة ولا شوكة لهم أمر صلى الله عليه وسلم أتباعه من أهل مكة بالهجرة إليها ، وقال لهم ‏‏:"‏‏ إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها , فاخرجوا إلى يثرب " .

فخرجوا مستخفين متسللين ؛ كي لا يعلم بهم أحد من مشركي قريش , تاركين وراءهم أموالهم وأمتعتهم , إلا ما خف منها وسهل حمله , وهجروا منازلهم مفتحة تعصف بها الريح , تثير شجن كل من ينظر إليها إلا غلاظ الأكباد من طغاة الكافرين, حيث كان أحدهم يمر بالدار منها فيفرح لما حل بها من خراب .

ليس فقط بل وسطوا على ديار الأغنياء من المهاجرين ، وباعوها كأنها ملك لهم , فلما بلغهم ذلك شكوا لرسول الله فقال لهم :‏‏ ألا ترضون أن يعطيكم الله بها دارا خيرا منها في الجنة ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ بلى ؛ قال ‏‏:‏‏ فذلك لكم ‏‏.‏‏

ولم يقتصر المهاجرون على التضحية بأموالهم وديارهم , وإنما اضطر بعضهم إلى ترك كل شيء حتى أهله وأولاده , وخرجوا تعلوهم مشاعر الحزن والفرح في آن واحد , حزن على فراق الأحبة وترك الوطن الذي نشئوا وترعرعوا فيه , وهي مشاعر لا يحسها إلا من عاشها , وفرح لأن الله جعل لهم مخرجا من بين الطغاة , وهيأ لهم أرض صدق يعبدون الله فيها وهم آمنون , وأصحابا يحبونهم ويؤثرونهم على أنفسهم‏‏ , حتى كان أحدهم يقول لصاحبه : إن لي بيتين فاختر أحدهما أعطه لك.‏‏

أما هو صلى الله عليه وسلم فقد مكث وأبو بكر الصديق بمكة بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر حتى اطمـأن إلى خروج كل أصحابه ، ولم يبق إلا نفر قليل حبسهم قومهم , وحالوا بينهم وبين الهجرة .

ويبدو والله أعلم أنه كان عازما على عدم الخروج حتى يتأكد من خروجهم جميعا لولا أن مشركي قريش عاجلوه وأجمعوا على قتله أو حبسه , حيث اجتمعوا في دار تسمى " دار الندوة " وقالوا فيما بينهم :إننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا , وقال بعضهم: لكأنه قد كرّ عليكم بالرجال، فأثبتوه( أي اسجنوه) أو اقتلوه حتى لا يتمكن من الالتقاء بأصحابه في المدينة، فأخبره الله بمكرهم , وأنهم اتفقوا على قتله ليلا , وأمره ألا يبيت في بيته الليلة القادمة (5)..

فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى أبا بكر في وقت الظّهيرة, فلما استأذن ودخل عليه قال: قد أُذن لي في الخروج, ثم اتفق معه على أن يأتيه ليلا , فأمر أبو بكر أهل بيته بأن يجهزوه سريعا , ويعدوا له رحله وما يحتاجانه من زاد .

ثم خرج يبحث عن دليل ماهر يرشدهما إلى طريق آمن في هجرتهما , وبعد أن اتفق معه دفع إليه راحلتين كان قد أعدهما لذلك من قبل , وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال(6)وهو الغار الذي اتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختفيا فيه قبل أن يبدأ السفر , ويقع هذا الغار في جبل بأسفل مكة في الاتجاه المخالف لطريق المدينة, على بعد خمسة أميال من مكة القديمة , وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة.

وأما رسول الله فقد عاد إلى بيته , واتفق مع ابن عمه علي بن أبي طالب على أن يؤخر هجرته حتى يؤدي الودائع التي كانت عنده للناس ( لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يُعلم من صدقه وأمانته) (7) ثم يلحق به بعد ذلك. ‏

وخرج صلى الله عليه وسلم آخر الليل من خلف بيته كي لا يحس به أحد من المشركين , وترك عليا نائما في فراشه ؛ ليوهم من يتصنتوا عليه أنه مازال نائما فلا يتبعوا أثره , وطمأن عليا بأنه لن يناله منهم مكروه , وقد كانوا ينتظرون خروجه للصلاة بالمسجد الحرام ليلا كعادته , فيقتلوه في الظلام كي لا يُعرف قاتله.

واصطحب أبا بكر إلى الغار المتفق عليه , واختفيا فيه ثلاث ليال , سعى فيها مشركو مكة كل السعي في العثور عليهما , وبثوا عيونهم في كل مكان , واستعانوا بخبراء الأثر من الأعراب في تتبع أثر أقدامهما, حتى وصلوا إلى الغار أو قريبا منه ؛ لكن الله عم عليهم , وصار أبو بكر يقول : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه (8) فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما, يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا , ثم قام يصلي ، وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر قام فصلى , فوقوفه أمام الله كان يصغر في عينه كل عظيم.

وسجل الله في القرآن الكريم هذا المشهد في قوله تعالى " ‏إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم "(9) ليعلم المؤمن أن معية الله تحفظ من كل سوء ، وتحمي من كل عدو , وأن هذه المعية تحصل للمؤمن بالوقوف أمامه سبحانه وتعالى , وبالتضرع إليه في الصلاة .

وخلال الأيام الثلاثة التي مكثا فيها في الغار كان عبد الله بن أبي بكر يطوف بمكة يتسمع الأخبار , وما يقوله المشركون في شأنهما , ثم يأتي إليهما بما سمع من أخبار دون أن يشعر به أحد، ويتبعه خادم أبي بكر الصديق "عامر بن فهيرة "بالغنم ليخفي آثار أقدامه, حتى إذا اطمأنا إلى أن الطلب قد هدأ خرج بهما الدليل تجاه ساحل البحر الأحمر , ثم صار بهم في طريق غير مألوف . 

وقبل أن يتحركوا التفت رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- إلى مكة , وأخذ ينظر إليها ويقول في شوق: ما أَطيبَكِ من بلدٍ وأَحبَّكَ إلي! ولولا أنَّ قومكِ أخرجُوني منكِ ما خرجتُ ، ثم ابتهل إلى الله تعالى بالدعاء فقال: الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً، اللَّهمَّ أَعِنِّي على هَوْلِ الدنيا، وبوائق الدهرِ، ومصائبِ اللَّيالي والأيامِ، اللَّهُمَّ! اصحبني في سفري، واخلُفْني في أهلي، وبارِكْ لي فيما رَزَقتني، ولكَ فَذلِّلْني، وعلى صالحِ خُلُقي فقَوِّمْني، وإليكَ رَبِّي فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصَلُحَ عليه أمر الأولين والآخرين أن تُحِلَّ عليَّ غضبك، وتنزِلَ بي سخَطَك، أعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمتكَ، وفَجاءةِ نِقمتك، وتحَوُّلِ عافيتِك، وجميع سَخَطِكَ، لك العُتْبَى حتى ترضى ولكن عافيتك أوسع عندي، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك "(10).

وقد أشار القرآن إلى إن تضرع رسول الله في تلك الأوقات كان بأمر من الله تعالى ، وذلك في قوله : " وقل رب أخرجني مخرج صدق وأدخلني مدخل صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" (11) فمن في مثل حاله من المطاردة ينبغي أن يكون دائم الاستغاثة بالله تعالى.

ولما عجز المشركون عن العثور عليهما أذاعوا في سائر القبائل العربية المحيطة بمكة أن من عثر عليه أو دل عليه فله مائة ناقة , فجن جنون الأعراب لسماع هذا الخبر , وبدأت الأحلام تراود الكثير منهم بأنه سيصبح من أثرى الأثرياء لو فاز بتلك المكافئة , فانطلقوا في كل اتجاه ـ وهم أهل خبرة بسبل الصحراء ـ حتى رآهما أعرابي من قبيلة تسمى " بني مُدْلج" فجاء إلى قومه وهم جلوس، فقال‏ ، إني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه‏.

فسمعه رجل يسمى " سراقة" فطمع في المكافئة دون غيره , فقال له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، وذلك حتى يضلله ولا يخبر أحدا غيره , ثم انطلق يريد اللحاق بهما ؛ حتى إذا دنا منهما وسمع قراءة رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- عَثَرَتْ به فرسه فخر عنها، فقام وركبها حتى إذا دنا منهما مرة أخرى وسمع قراءة رسول الله عَثَرَتْ به وسقط من فوقها , وأبو بكر يكثر الالتفات إليه , والرسول غير عابئ .

فلما ركبها في المرة الثالثة غاصت أرجلها في الأرض كما حكى سراقة نفسه , وخرج من تحتها دخان كالإعصار , وعلم حينئذ أن رسول الله محفوظ من ربه , وأنه لن يستطيع أن يصل إليه بسوء , فناداه بالأمان وقال له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبره بما يريد الناس به، وعرض عليه المساعدة فلم يسأله شيئا غير أنه قال‏ له:‏ ‏أَخْفِ عنا(12) ‏.‏

وقول رسول الله له " أَخْفِ عنا" لم يكن سوى التزام منه بسنن الكون , والأخذ بالأسباب , وإلا فكما عجز هذا الرجل ومن وصلوا إليه في الغار عن النيل منه سيعجز غيره, وكان صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الحقيقة جيدا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبره قبل أن يستعد للهجرة بأن مكر أعدائه لن يكون شيئا أمام حفظ الله , فقال تعالى : " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "(13) بل إن الله تكفل له بحفظه قبل أن يأمره بإعلان الدعوة على الملأ , فقال تعالى : " والله يعصمك من الناس " (14).

وأحسب ـ والله أعلم ـ أن رسول الله حرص على الحيطة والحذر والأخذ بكل الأسباب ؛ ليبدو أمام الناس ببشريته التي يريد الله للناس أن يسيروا عليها ويقتدوا به , فهو نموذج قدمه الله تعالى للبشرية ليحتذوه , وليرفع عنه القداسة التي قد يظنها بعض الناس , وذلك لأمرين :

الأول :أن رسول الله نشأ في بيئة عبد الناس فيها كل ما تخيلوا فيه النفع أو الضر, ورفعوه إلى مرتبة الألوهية .

والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم بعث بعد عيسى عليه السلام الذي أدى الغلو فيه إلى وقوع أكثر البشرية وإلى الآن في مشاكل عقدية في منتهى الخطورة , وذلك بسبب سوء تفسير بعض الناس للآيات التي أيد بها مثل " إحياء الموتى " "وشفاء المرضى" .

وقد زجر صلى الله عليه وسلم من أراد أن يرفعه فوق مكانته البشرية بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد اللّه ورسوله(15) ".

ومع ذلك فقد أكد الله على أن الأخذ بالأسباب ليس منتهى كل شيء فهناك معيته , وهناك مشيئته , إذ نجح المطاردون له في الوصول إليه في أكثر من موطن , وكادت أيديهم أن تصل إليه لولا تلك المعية وهذه المشيئة .

وإلى اللقاء مع الحلقة السادسة إن شاء الله

ـــــــــــــــــــ

([1]) عيون الأثر : ج1 ص 271

(2) السابق : جـ 2 صـ 177 وما بعدها

(3) سورة " التوبة " : الآية 111 

(4) سورة " الحشر " : الآية 9

(5) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص89

(6) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص89

(7) ابن هشام : السيرة ج3 ص 11

(8) ابن كثير : البداية ج3 ص271

(9) سورة " التوبة" : الآية رقم 40

(10) ابن كثير : السيرة ج3 ص 234

(1[1]) سورة " الإسراء " : الآية 81

(12) عيون الأثر : ج1 ص 289 والسيرة لابن حبان ج1 127

(3[1]) سورة " الأنفال " : الآية 30

(4[1]) سورة " المائدة " : الآية 67

(5[1]) رواه مالك والبخاري وأحمد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المد الإسلامي عبر التاريخ (5)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7