الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011الهوية الإسلامية والطائفيّة
 
الأحد 4 ديسمبر 2011

 

 

 

شريف محمد جابر

 

  حين يطرح المسلم المفهوم الإسلاميّ الخالص للهويّة والانتماء، تثور دعوى عريضة من قبل العلمانيّين مفادها أنّ التفرقة بين الناس والانتماء إليهم على أساس الدين هو "طائفيّة" مذمومة؛ لأنّها لا تعمل حساب "الآخر" في الوطن الواحد، ولأنّها تفرّق بين أبناء الوطن الواحد وتجعل منهم طوائف متناحرة كلٌّ يعمل لمصلحته فتضيع بذلك الوحدة الوطنية!


 

    ومع أنّ هذا الكلام لا يضير المسلم ما دام مستمسكا بمقتضيات عقيدته الواضحة الحاسمة، فإنّنا نريد إزالة الغبش الذي تحدثه هذه الدعوى في نفوس بعض "المنهزمين" من أبناء المسلمين؛ حيث تؤثّر فيهم هذه الدعوى والاتهام بالطائفية سلبيّا فيسارعون إلى الالتئام مع "الآخر"[1] في وحدة وطنيّة يكون محور الانتماء والاستقطاب فيها هو "الوطن" الواحد!

 

 

 

    وفي حوار أجراه الأستاذ الداعية خبّاب بن مروان الحمد مع المفكّر الإسلامي الأستاذ إبراهيم العسعس  فقد أجاب على السؤال:

 

 

 

    ـ "كثر المنادون بالوحدة الوطنية؛ بغض النظر عن الاختلافات العقدية، ويرى بعض المفكرين بأنّ هذا لا يخدم مبدأ الوحدة الإسلامية، بل إنه يحقق شيئاً من مراد الأعداء في رغبتهم في قلب المعركة بينهم وبين المسلمين إلى الوحدة الوطنية والقومية لإبعاد الروح الإسلامية؟ 

 

 

 

    ج: أمَّا أن ينادي المنادون بالوحدة الوطنية فهذا شأنهم، وأمَّا أن تكون مقاصدُهم من وراء هذه الدعوة التخريب والاختراق فهم وما يريدون! لكنَّ الشأن كل الشأن في كيفية تعامل المسلمين مع هذه الدعوة، ومدى وعيهم على مقاصدها، وحنكتهم في استيعابها وهضمها وإدارتها من خلال ما يريدون، لا من خلال خطة الآخر! وبهذا يضمن المسلمون سلامة النتائج أياً كانت المقاصد. هذا الذي ينبغي أن يكون، ولكن ـ وللأسف ـ الكائن من أكثر المسلمين العاملين، وبعضهم له اتجاهات كبيرة لها وزنها، أنهم يتبعون كل ناعق ينادي بمثل هذه الدعوات. والحقيقة أنني وإن كنت لا أتهم النوايا في كثير من الأحيان، إلا أنني أقول: إن حسن القصد في مثل هذه القضايا المصيرية لا تنفع صاحبها، وقد قيل قديما: إن جهنم مليئة بأصحاب النوايا الحسنة. 

 

 

 

    إنّ أخطر ما في هذه الدعوات أنها تُميِّعُ الطرح الإسلامي، وتُربك الدعاةَ فضلاً عن الأتباع والجماهير. وهي دليل على سذاجة من يتجاوب معها دون وعي، وحسن إدارة. وهي دليل على أننا نجهل أو نتجاهل وجود صراع فكري حامي الوطيس، وأننا نجهل أساليب الآخرين بإدارة هذا الصراع! وهي قبل كل شيء دليل على عدم وضوح ونضوج عالم الأفكار عندنا، ومن كان كذلك فهو سهل الانقياد، ساذج الوعي، ضعيف أمام الصنمية أياً كان شكلها، ولا عجب فإنه: "إذا غابت الفكرةُ ظهرَ الصنم"! 

 

 

 

    وأعجب ما في الأمر أنّ الداعين الآن للوحدة الوطنية عندما كانت الجولة لهم، لم يكن المسلم يجرؤ على التصريح بمبادئه وكانوا يرفضون مجرد التعامل مع المسلمين، بل كانوا يحتقرونهم! ثم دار الزمان دورته فصارت الجولة للمسلمين، فإذا القوم يدعون للوحدة الوطنية، وإذا بعض المسلمين يقولون: لبيكم وسعديكم! والآن ترى في أكثر من بلد إسلامي، يشتغل بعضُ المسلمين رافعاتٍ للعلمانيين، ودعاة الوحدة الوطنية بعد أن كسدت بضاعتهم، وانفضَّ سوقهم! والسبب الذي يدفع كثيرا من المسلمين إلى التجاوب إضافة لما ذكرته؛ الرغبة في كسب القلوب، واثبات أن المسلمين متنورون! وأحيانا يكون ضغط الواقع دافعا قويا حيث يخاف المسلمون من اتهامهم بأنهم ضد الوطن والوطنية! ثم هناك الحذر من الاتهام بأنهم أسرى التفسير البوليسي للأحداث! وهناك الاستعجال في تحقيق شيء ما في ظل النكسات التي يمر بها العمل الإسلامي فيندفع المسلم لقطف أي عرض حتى يشعر نفسه بتحقيق أي مكسب.

 

 

 

    إنّ أهم نتائج هذا التجاوب توقف الدعوة إلى الله، وتجميد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالذي يريد الدخول في هذه اللعبة عليه أن يثبت استيعابه للآخرين، وبهذا يفقد حقه في الدعوة، لأنه لا يملك حق تخطيئ الآخرين! وبهذا يصبح الفكر الإسلامي فكرا من الأفكار الموجودة على الساحة، لا حق أكثر مما تمنحه إياه قواعد اللعبة التي وافق على دخولها.

 

 

 

    وقبل أن أنهي أحبّ أن أنبه على أمر مهم، وهو أننا لسنا ضد التعامل مع الآخرين الذين يشاركوننا الوطن، والأرض، ولكن تحت أحكام الشريعة، ودون التنازل عن الثوابت والأسس. إننا لسنا مسؤولين عن هداية الناس على حساب الثوابت، ولكننا سنسأل عن اتباعنا لشريعة الله، وقد قال الله عز وجل لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما واجه مثل هذه العروض والضغوطات: "واتبع ما يوحى إليك، واصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين". يعني لا تتنازل عن شيء رغبة منك بهداية الناس، وتجاوبا منك مع عروض الجاهلية كي لا تتهم بالجمود؛ بل اتبع الوحي، واصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً"[2].

 

 

 

    فالقضيّة أن الكثير من التوجّهات الإسلامية وقعت تحت ضغط الواقع وفرّطت بجوانب هامة من الهويّة الإسلامية، مع أن التعاون مع التيارات الأخرى المسالمة في المجتمع لتحصيل حقوق معيّنة لا يستوجب أن نكون معها في "وحدة وطنية" تهمّش الهويّة الإسلامية كما يحدث في الواقع، بل التعاون ممكن بالضوابط الشرعية ودون الانخراط في وحدة على أساس الانتماء الوطني!

 

 

 

    ولتبيان حقيقة شبهة "الطائفية" و"الإقصاء" التي تثور في الأوساط العلمانيّة تجاه من ارتضى له هويّة إسلامية واحدة، وانتماءً إسلاميّا خالصًا غير مشوب بالنّعرات الجاهليّة الوطنيّة والقوميّة، لتبيان حقيقة هذه الشبهة وتهافتها أنقل بتصرّف يسير مقالاً لي كنت قد كتبته في الردّ على هذه الشبهة، بعنوان "الطائفيون قادمون - الجزء الثاني"[3]:

 

 

 

    "يستنكر العلمانيون أن يكون خطاب المسلمين اليوم على أساس الإسلام، أو أن يقوم المسلمون بإنشاء جمعيات وكتل وتنظيمات ومؤسسات "إسلامية"، ويصفون ذلك بأنه تنظيم للشريحة العربية في الداخل الفلسطيني على أساس الطائفية، وأنه قاصر على "المسلمين" فحسب، ويُقصي غير المسلمين من خطاب هذه الجمعيات والتنظيمات والمؤسسات، بينما الأصل هو توجيه الخطاب للشريحة العربية كلّها، من باب الحفاظ على وحدة الصفّ (الوحدة الوطنية)، والذي يجمعنا هو أننا جميعنا "عرب"، وليس جميعنا "مسلمين".. هكذا يقولون!

 

 

 

·        خطابنا للجميع.. وليس للمسلمين فحسب!

 

 

 

    والواقع أنّه بإمكان أي إنسان مهما كانت عقيدته الاستماع إلى الخطاب الإسلامي، فإذا قبِله فإنه سوف يتّخذه منهجًا له في الحياة بطبيعة الحال. وهنا يفغر الكثير من الناس أفواههم متعجّبين من أن ندعو الناس من غير المسلمين إلى اتخاذ الإسلام عقيدة لهم ومنهجا في الحياة! ولا أدري ما المشكلة في ذلك ما دامت الدعوة لا تجبر أحدا على اعتناق الإسلام من باب "لا إكراه في الدين"؟ ولماذا يُتقبّلُ من العلمانيين دون استغراب أن يدعوا إلى مجتمع "علماني" وإلى مبدئهم العلمانيّ، ويعتبرُ ذلك حرية في التعبير عن الرأي، وحرية في طرح الأفكار على الناس؟! فإذا كان أصحاب الدعوة الإسلامية هم الذين يمارسون هذه الحريات فإنهم يصبحون "طائفيّين" و "إقصائيّين"! مع أنّ الإسلام خطّ أصيل في حضارة هذه الشعوب وهذه المنطقة، ومع أنّ العلمانية رافد دخيل نشأ أصلا في ظروف مغايرة لظروف الأمة بجمع طوائفها، ومع أنّ الأصل أن نستهجن الدعوة إلى القيم العلمانية وتبنيها في مجتمعاتنا وليس العكس! ولكن ماذا نقول إن كانت هذه هي طبيعة العلمانيين "الإقصائية" والمموّهة للحقائق؟!

 

 

 

    إنّ كلّ إنسان مخاطب في هذه الدعوة الإسلامية، فإن لم يستجب للدعوة فإن أصحاب الدعوة لن يجبروه على شيء، ولن يتعاملوا معه بسلوك "الإقصاء"، إنما سيكون أحد مكوّنات المجتمع الموجودة واقعًا، وسيكون التعامل معه - إن كان مسالما - تعامل البرّ والقسط والرحمة وكما تدلّ النصوص الشرعيّة الحاسمة، بل وإنّ التعاون متاح في المشتركات دون تنازل الدعوة عن ضوابطها الإسلامية. فلنا أن نتساءل مرة أخرى: من أين التصقت شبهة "الطائفيّة" و "الإقصاء" في حسّ بعض المستغفلين؟ إنّه أحد أمرين: إمّا كيد العلمانيين من أعداء الإسلام، وإمّا جهل المستغفلين بدعوة أولئك العلمانيّين وشبهاتهم!

 

 

 

·        العلمانيون طائفيون!

 

 

 

    تساءلنا سابقًا: لماذا لا يُتّهم العلمانيون والليبراليون بتهمة "الطائفية" و "الإقصاء" مع أنهم يدعون إلى رؤية في الحياة وقضاياها ومنهج ينبثق عن هذه الرؤية كما يدعوا المسلمون؟

 

 

 

    إنّنا - مع الأسف - صِرنا إلى حال من الضعف والهزيمة النفسية بحيث أصبح الداعي إلى هذا المنهج المدمّر الدخيل على الأمة منزّها عن تلك الصفات مع أنها أصيلة فيه، وأصبحنا نحن أصحاب الدعوة الإسلامية ندافع باستحياء عن دعوتنا أمام من يصمها بتلك التهم! فلننظر بعين الواقع والموضوعية الآن ولنتساءل: من هو الطائفي؟ ومن هو الإقصائي؟

 

 

 

    نحن نواجه الناس -جميع الناس- بخطاب إسلامي أصيل، يتوّجه إلى كيان الإنسان -كلّ إنسان- "الاختياري" (أفكاره وأعماله)، ولا تستثني أحدا من الناس أو نُقصيه عن دعوتنا، بينما أصحاب الاتجاه العلماني ذي الهوية "القومية" يتوجّهون في خطابهم إلى كيان الإنسان "الجبري" (قوميته التي لم يخترها ووطنه الذي نشأ به ولم يختره)، ومن هنا فإنهم يستثنون من خطابهم أيّة قومية أخرى، حتى لو كانت أصيلة في هذه البلاد، فماذا عن "الشركس" المسلمين الذين يقطنون في الشمال الفلسطيني في قريتي "كفر كما" و "الريحانية" قبل الوجود اليهودي بفترة طويلة؟ أين هم من هذا الخطاب العلماني ذي الهوية القومية العربية؟!

 

 

 

    وحين يجعل أولئك العلمانيون القضية الفلسطينية قضية "فلسطينية" بحتة، أو قضية "عربية" بحتة على أبعد تقدير، فإنهم يستثنون و"يُقصون" ربع سكان العالم المسلمين من وجودهم كخطّ أصيل فيها! مع أنّ قضية فلسطين بالنسبة إلى هؤلاء على درجة رفيعة جدّا من الأهمية، واختزال القضية في البعد الفلسطيني أو العربي فيه إقصاء لربع سكان العالم، وقبولهم كمتعاطفين أو مساهمين فحسب في دعم القضية هو مساواة لهم مع غيرهم من شعوب العالم، مع أنّ القضية ينبغي أن تكون في حسّهم أكبر مما هي في حسّ العربي أو الفلسطيني من غير المسلمين، لأنها متعلّقة بأهمّ ما لديهم في الحياة؛ متعلّقة بإسلامهم الذي هو أهمّ من أوطانهم وأقوامهم وعائلاتهم ومصالحهم الأرضية كلّها! فما هو مكان هؤلاء من الخطاب العلماني القومي؟!

 

 

 

    تلك هي حقيقة التوجّه العلماني القومي إذن؛ أنّه خطّ "عنصري" و "إقصائي" بدلالة الحقائق الموضوعية لا بمجرد الشبهات البعيدة عن حقيقة الواقع!

 

 

 

    وبعد..

 

    وبعدُ، فإنّ هؤلاء العلمانيين يقولون: "ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما يؤمن به المسلمون، فعلينا ألا نواجههم بالخطاب الإسلامي"! وهي قولةٌ بيّنا تهافتها، ومع ذلك نقول أيضا: ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما تؤمنون به أيها العلمانيون، فبناء على منطقكم المغالط ينبغي ألا نوجّه لهم الخطاب العلماني أو الليبرالي أو القومي؛ لأنّ منهم فئة لا بأس بها ترفض العلمانية والليبرالية والقومية!

 

 

 

    والمفترض أنّ طرح الأفكار دون محاولة فرض اعتناقها على الناس هو أمر لا شائبة فيه في فكر هؤلاء العلمانيّين، ولكنّهم مع ذلك يرفضون الخطاب الإسلامي لأنهم يعرفون في دخيلة أنفسهم أنّ الخطاب الإسلامي يملك رصيدًا "تاريخيّا" ضخمًا؛ إذ هو خطّ أصيل في هذه الأمة، وهم لا يملكون عشر هذا الرصيد! ويملك رصيدًا "فطريّا" في الكيان الإنساني؛ لأنّه من عند الله والإنسان من خلق الله، وهم لا يملكون هذا الرصيد، فأفكارهم كلها مستقاةٌ من العقل البشري في ظروف شروده عن الوحي الرباني لملابسات تاريخية نكدة يصعب حصرها في هذا المقام[4].

 

 

 

    إنّ الذين يظنّون أنّ الإسلام مكوّن وراثيّ في هذه الأمة لا خيار فيه للإنسان واهمون! إنما الإسلام منهج رباني جاء من عند الله، وحملت نصوصه المحكمة أدلّة ثبوته العلمية القطعية[5]، وهو يوجّه خطابه إلى كلّ إنسان؛ إذ إنّ الغاية منه تعبيد الخلق لربهم وخالقهم، والله خلق جميع البشر ولم يخلق المسلمين فحسب!

 

 

 

    وإنّ إحدى خصائص هذا الخطاب التي ينبغي للمسلمين أن يبادروا إلى إظهارها والافتخار بها هي أنّه متوجّه إلى الكيان "الاختياري" للإنسان؛ لأنه منهج مبنيٌّ على المبادئ، وكلّ إنسان مدعوٌّ إلى اتخاذ هذه المبادئ عقيدة ومنهج حياة. بينما الخطاب القومي يفتقر إلى هذه المبدئية التي يدعو إليها الإسلام. ومن طبيعة هذه الخصيصة في الخطاب الإسلامي تنبثق طبيعة أخرى، وهي طبيعة الانتماء إلى الناس.

 

 

 

    فالمسلم لا ينتمي إلى العربي الفلسطيني لمجرد أنه "عربي" و "فلسطيني" حتى لو ارتدّ عن دين الله! والمسلم لا ينتمي إلى من حادّ الله ورسوله لمجرد أنه "عربي" و "فلسطيني"، والمسلم لا ينتمي إلى من ناصر قوى الجاهلية لمجرد أنه "عربي" و "فلسطيني"، إنما يدرك المسلم تمام الإدراك معنى قول الله تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" (التوبة: 24).

 

 

 

    ومن طبيعة هذا الإدراك تكون طبيعة الخطاب والدعوة، وتكون طبيعة الانتماء[6]!

 

****

 

 

 

  بقي لنا أن نبيّن بالأدلّة القاطعة أنّ الإسلام ليس مجرّد موروث يرثه المسلمون عن آبائهم دون اختيار! فللعلمانيّين دعوى عريضة في ذلك حيث يعتبرون "الإسلام" أمرًا وراثيّا جبريّا لم يكن للمسلم خيار فيه، وبناء على ذلك ليس لنا أن نفرّق بين الناس على أساس أديانهم، وإلا كانت هذه التفرقة "طائفيّة" مذمومة!

 

 

 

    وسأنقل فقرات أخرى من مقال لي بعنوان "الإسلام موقف"[7] "بتصرّف"؛ لأبيّن تهافت هذه الدعوى التي يتبجّح بها العلمانيّون:

 

 

 

    "العلمانيون من جهة، والجهلة من أبناء المسلمين من جهة أخرى، يتفقون على مغالطة كبيرة تمسّ أصلا من أصول الدين، ينبغي لكل مسلم أن يكون واعيا لها، عالما بالمفهوم الصحيح لموضوعها، مدركا لمقتضى ضبطه على الوجه الصحيح، وللآثار السيئة الناتجة عن تحريفه من قِبل أولئك العلمانيين أو جهلة المسلمين على السواء.

 

 

 

    هذه المغالطة هي قولهم بأنّ الدين - كلّ دين - هو أمر وراثي، لا يختاره المرء، لأنه يولد على دين أبويه جبرا لا اختيارا. ويكفي في الردّ على هذا القول التذكيرُ بأنّ هناك ما يقارب خمسة آلاف بريطاني يدخلون في الإسلام - طواعية واختيارا - كلّ عام! وقد ولدوا إما على النصرانية أو على الإلحاد! فالأمر إذن ليس وراثيّا، وليس جبريا كما يدّعون.

 

 

 

    بيدَ أنّي أحببتُ في مقالي هذا أن أبيّن أمرا ربّما غاب - للأسف - عن أذهان الكثيرين ممّن ولدوا بأسماء إسلامية ولأبوين مسلمين؛ وهو أنّ الإسلام قضية اختيارية؛ فهو إلى جانب كونه "دين الفطرة" لا يجوز الإيمان به دون علم وبرهان، حتى لو كان أبسط البراهين كما عند البسطاء من بدو البادية، فكلّ وفق مستواه الفكري، ولكنّ الشرط أن يكون اعتناقه للإسلام مبنيّا على برهان علمي وقناعة ولو كانت دلائلها يسيرة ممّا يدرك الإنسان بحواسّه من ظواهر الكون والحياة والإنسان، لا بمجرّد التقليد للآباء أو الهوى والظن، وحشدٌ هائل من آيات كتاب الله العزيز يقرّ هذه الحقيقة المطلقة، فلنا أن نحيا مع معاني كتاب الله، فقد أنزله الله ليكون هاديا لنا، لا مجرّد ترتيل يُتلى، أو تعويذة توضع في العربات والبيوت!:


 
    يقول تعالى في ذمّ من اتّبع المألوف والموروث والظنّ دون تمحيص العقل والعلم:
    "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ" (البقرة: 170).
    "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" (لقمان: 21).
    "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ" (الأنعام: 116).
    "إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى" (النجم: 23)
    "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (النجم: 28).

 

 

    فإذا كان الله - سبحانه - يذمّ الكفار على اتباعهم لدينهم بمجرد التقليد لما ورثوه وألفوه من الآباء، وينسب اتباعهم هذا إلى "الجهل" (لا يعقلون) و"الضلال" (لا يهتدون، يضلّوك عن سبيل الله) و"الظنّ" و"الخرص" و"الهوى"، فهل يمكن أن يكون دينه المنزل دون براهين علمية وموضوعية ينفي بها الجهل والهوى والظنّ والخرص والضلال عن أن تنسب إليه؟! وهل يمكن بعد هذا البيان أن نقول: إننا مسلمون لأنّنا ولدنا مسلمين فحسب؟! وبأنّ الدين أمر "وراثي"، والإيمان "لا يوجد دليل علمي عليه"! هل يُعقل هذا في دين الله؟! كلاّ والله! بل نزيد في البيان، ونستفيض في البلاغ، حتى يستقرّ الحق في تلك النفوس:

 

 

 

    يصف الله سبحانه وتعالى دينه بالـ "علم"، ويذمّ اتباع الهوى دون علم:

 

    "وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" (البقرة: 120).

 

 

 

  ويذمّ - سبحانه - الذين يجادلون بدون دليل علمي:

 

    "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" (الحج: 8).

 

  

 

 ويحرّم البتّ في أمر دون علم به:

 

    "ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا" (الإسراء: 36).

 

 

 

    ويطالب الكفارَ - أصحابَ المعتقدات الفاسدة - أن يأتوه بعلم أو برهان على ما يقولون:

 

    "نبئوني بعلم إن كنتم صادقين" (الأنعام: 143).

 

    "قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا" (الأنعام: 148).

 

    "أإله مع الله؟ قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين" (النمل: 64).

 

 

 

    ويذمّ - سبحانه - اتباع الظنّ والأهواء والخرص دون دليل علمي:

 

    "ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ" (النساء: 157).

 

    "بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم" (الروم: 29).

 

    "ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون" (الزخرف: 20).

 

    "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون" (الجاثية: 24).

 

 

 

·        كاتب فلسطيني.

 

 

 

 حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر

 

 

 






[1] هو "الكافر" بالاصطلاح الإسلامي الشرعي، بجميع أنواعه: نصرانيا أو وثنيّا أو من أصحاب الفرق المرتدّة عن الإسلام أو ملحدا أو شيوعيّا. ولكنّ بعض الناس يهوون استخدام الكلمة بدلا من كلمة "الكافر" مخافة أن يتم اتهامهم بالتطرّف والطائفيّة! مع أن الكلمة مجرّد توصيف شرعي لغير المسلمين، فالكافر = غير المسلم.



[2] من حوار أجراه الأستاذ الداعية خبّاب بن مروان الحمد منشور على موقع صيد الفوائد بعنوان "المفكّر الإسلامي إبراهيم العسعس: صراع الفكرة لا يحتمل أنصاف الحلول".



[3] المقال منشور في مدوّنتي "مدونة أضواء" وعلى موقع "طلاب 48" في الشبكة، وهو يعالج حالة الداخل الفلسطيني.



[4]  أنظر كتاب "مذاهب فكرية معاصرة" للأستاذ محمد قطب، ففيه تفصيل واف عن نشوء الكثير من المذاهب الفكرية الأوروبية التي انتشرت في العصر الحديث في بلاد المسلمين.



[5] سنتحدّث عن هذه النقطة بعد قليل.



[6] إلى هنا ينتهي النقل من مقالنا "الطائفيّون قادمون - الجزء الأول".



[7] مقال منشور على مدوّنتي في الشبكة "مدونة أضواء".

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الهوية الإسلامية والطائفيّة 1

 
الأحد 4 ديسمبر 2011

شريف محمد جابر

 

وبعد هذا البيان من كتاب الله العزيز لا يكون للقارئ المنصف إلا التسليم بتلك الحقيقة؛ أنّ دين الإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا مبنيّا على الظن دون يقين، والتقليد للموروث دون علم، وأنّ كون التوحيد شيئًا مكنونًا في الفطرة ليس دليلا على جبريّته، بل إنّ هذا - خلافا لذلك - عاملٌ رئيسيٌّ في سلامة الاختيار، إذ تدفع الفطرةُ الإنسانَ إلى اختيار الدين الحق المنزّل من عند خالق الفطرة، فحينها يكون الاطمئنان الناتج عن توافق المنهج مع الفطرة؛ إذ كلاهما من مصدر واحد، فيكون التلاقي الفطريّ بين حقائق ثلاث: "الكون العابد لله" و"الفطرة السليمة" و"المنهج الرباني"، التلاقي الذي يؤكّد سلامة الاختيار بعد أن تناسقت تلك الحقائق الثلاث. وحقيقة كون الإيمان (بمعنى الهداية) من عند الله ولا يحصل بمجرد العلم والتصديق، وأنّ العلم والتصديق قد يحصل ولا يحصل الإيمان المطلوب من البشر، هذه الحقيقة لا تنفي قيام هذا الإيمان على أساس علميّ يقينيّ، لا مجال للتشكيك به.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    فقد ثبت إذن أنّ دين الله عزّ وجلّ ليس موروثا يتلقّاه الأبناء دون تمحيص العقل وأدوات العلم الموضوعية، ولئن كانت بعض خلائف المسلمين اليوم ترثُ دين الله كما كانت يهودُ ترثُ الكتاب دون علم ولا يقين ولا قناعة واختيار، فهذا الوضع ليس حجّة على الإسلام، إنما الإسلام بنصوصه الحاسمة المحكمة حجّة على هؤلاء!


 


    ومن هذا المنطلق نقول إنّ دين الله عزّ وجل "موقف"، نعم، الإسلام موقف! موقف اختياريّ من قبل الإنسان المسلم، يتجلّى - أولا - في إفراد الله تعالى بالعبادة مع البراءة من الشرك، ثمّ ما ينبثق عن هذه الحقيقة الاختيارية من "أقوال" و"أفكار" و"أعمال"، فكان الإيمان كما عبّرت عنه الأجيال الأولى من المسلمين: قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل الجوارح.


 


    إنّه موقف يبدأ من إيمان الإنسان بحقيقة وجود الله ووحدانيته، وبأنّه "الربّ"، أي: المربّي بالنعم. ثمّ ما تقتضيه هذه الحقيقة من إفراده - سبحانه - بالعبادة.


 


    فالمسلم قد وحّد الربّ بذاته وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، أو التوحيد الخبري. ثمّ عبده بتوجيه شعائر التعبّد له وحده، وتحكيم شريعته وحدها في حياته كلها والتحاكم إليها والحكم بها، وولائه له وتولّيه المؤمنينَ وبراءته من الكافرين، وهو توحيد العبادة، أو توحيد الألوهية. ثمّ عمل بالتكاليف الشرعية، وتخلّق بأخلاق الإسلام.


 


    هذه بمجموعها هي الإسلام، وهي مواقف كلّها تنبثق عن الموقف الأكبر وهو "الإسلام"، بمعنى: الاستسلام التام لله. فهو استسلام وخضوع اختياري لله عز وجل، بعد أن أدرك الإنسانُ أنّ الله حقّ، وأنّ عبادته - تعالى - هي غاية وجوده الإنساني: "وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون" (الذاريات: 56)، وأنّ طريقة تحقيق هذه الغاية تكون باتباع ما أنزل الله: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون" (الأعراف: 3). وليس هناك موقف أضخم وأعظم من الإسلام، فبه تتعلق أضخم حقيقة واقعية بالنسبة لكل إنسان، وهي مكانته في الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية الجديرة بالاهتمام، وما الدنيا إلا طريق لها محفوف بالابتلاءات: "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت: 64). فالآخرة إذن أثقل واقع في حسّ المسلم، ومن الجدير بالاهتمام أنّ هذا الكمّ الهائل من الآيات التي تتحدّث عن اليوم الآخر في كتاب الله لم يرد - حاشا لله - عبثا، وإنما لكي يكون المسلم في تذكّر دائم لهذه الحقيقة العظيمة، وإنّه ليراها في كتاب الله أحيانا - حين يحيا به أثناء تلاوته - أقربَ إليه من دنياه التي يعيشها، بل يكاد يشعر حين يعيش تلك الآيات أنّ الدنيا شيء مضى، وأنّ الدار الآخرة هي الواقع الآنيّ المعاش!


 


    ألا يكون مجرما - شديد الإجرام - هذا الإنسان الذي يتنكّب عن طاعة الله؟ أو ذلك الذي لا يُعمل عقلَه ويفّكر في غاية وجوده في هذه الحياة وبما قبلها وما بعدها؟ أليس هذا التعطيل للتفكير في أهمّ قضايا الوجود الإنساني "موقفًا" يجب أن يؤخذ بالحسبان حين نقوّم البشر؟ نعم، تعطيل التفكير في أهمّ قضايا الإنسان موقف، ورفض عبادة الله موقف، ومن خلال تلك المواقف الكبرى يقوّم المسلم "الأشخاص" (المقصود: "كيانهم الاختياري" الذي هو: "الأفكار" و"الأعمال")، بمدى ارتباط هذا الكيان بالحقيقة الكبرى (الإسلام) وانبثاقه عنها، ومدى موافقته لمقتضياتها، وهذا هو محكّ القضية.


 


    قضية "الإسلام موقف" ستجعلنا نحمل معيارا دقيقا لقياس الكثير من المسائل التي تعرض لنا في حياتنا، منها ما يتعلق بالانتماء والهوية، ومنها ما يتعلق بموقفنا من الأشخاص وتقييمنا لهم.


 


    فحين يقول المسلم الجاهل بدينه: "إنّ النصارى المسالمين لنا هم إخواننا في الوطن، وإننا وإياهم سواء، ولا فرق بيننا، فهم أهل كتاب، ونحن مسلمون"! هل يكون هذا المسلم قد فهم أنّ "الإسلام موقف"؟ وأنّ النصراني هذا مرتكب لجريمة كبرى حين أشرك بالله وعطّل التفكير للوصول إلى الحق في أهمّ قضية في الوجود (عبادة الله) أو تنكّر للحق وجحده ورفض اتباعه. أيكون المسلم قد أدرك ذلك؟! أم إنّه لا يدرك أنّ معاملة النصراني هذا بالحسنى ومشاركته في بعض القضايا لا تعني المساواة بينه وبين المسلم العابد لله، ولا تعني وحدة الهوية والانتماء معه! فبيان حقيقة النظرة إليه من قبل المسلمين شيء ضروريّ حتّى يُدركَ عظم الجريمة التي يرتكبها في رفض طاعة الله والإسلام له! وإلا كنّا - برضانا عنه ومساواته مع المسلم - صادّين عن سبيل الله، فما الذي سيدفعه - من قبل المسلم - إلى البحث عن الحق والإقبال عليه ما دام المسلمون يعتبرونه مثلهم تماما؟! وحتى لا يُفهم الكلام أنه دعوة إلى العنف مع النصارى أو إلى شتمهم وتعنيفهم أورد كلاما لي كنتُ قد كتبتُه في مقال سابق دفعا لشبهة "الطائفية" التي يهوى العلمانيون قذف الآخر بها:


 


    "وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام)، فالمسلم يتعامل معهم بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: "وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107). ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8). هذا بالنسبة للتعامل، أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة، فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأيّة جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون" (الأنعام: 124). إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة، أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإنّ الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله، وهي المسماة في الشرع: "الكفر". والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة "الكفر"، هذه النظرة المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جَرْسِها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر على حقيقتها دون إنشاء الخوف من العنف أو المعاملة بالسوء والاضطراب والتوجّس في النفس جرّاء ذلك. فاعتباري غير المسلم "كافرًا" لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف "شعوري" أتّخِذه (ومن حقّي) - كمسلم عابد لله عزّ وجل - تجاه من استكبر عن عبادة الله ورفض اتباع رسوله صلّى الله عليه وسلّم، باعتبار أنّ هذا هو غاية وجوده الإنسانيّ. وأمّا التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية، وبالبرّ والقسط، وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر. والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعوهم إلى عبادة الله وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة، يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنسانيّ الكريم - وهو قادر "مخيّر" في أن يكون كريمًا مرتفعًا - إلى عبادة الله وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين، بحيوية وإشراق، وبشعور الرحمة والعطف، ولسان حاله يقول: "إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه"! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية بشعور الرحمة والعطف أن تمتلكها هي أيضًا!"[1].


 


    العلمانيون اللّبراليّون اليومَ يريدون تحريفَ هذه القضيّة، بدعوى "عدم الأدلجة" حينا (من كلمة "أيديولوجية")، وبدعوى "نسبية الحقائق" حينا آخر. فأما رغبتهم في تحييد "الأيديولوجية" فهي تكمن في أن النقاش الموضوعي محسوم فيها لصالح الإسلام، لأنه المبدأ الوحيد المنزّه عن الخطأ، والذي ترشد إليه كل الحقائق الفطرية والكونية صارخة بأحقّيّته! وأما قولهم بنسبية الحقائق فهو راجع لرغبتهم في إخفاء الأرضية الثابتة من "المشترك الإنساني"، لتكون الأمور كلها "مائعة" بعد ذلك، لا يمكن الجزم بصحّتها كما لا يمكن الجزم ببطلانها! فتضيع الطاسة بضياع "المشترك الإنساني" الذي يشكّلُ بديهياتٍ وأدواتٍ تتفق عليها العقول السليمة (بغضّ النظر عن دين أصحابها) تصلحُ أن تكون أرضية خصبة للنقاش الموضوعي الموصل إلى الحق، بيدَ أنهم لا يريدون هذا الحق! "يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون * هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" (الصف: 8 - 9)[2].


****


 


    تلك هي قضيّة الطائفيّة التي يتبجّح بها العلمانيّون، ويقع في براثن تبجّحهم هذا بعض ضعاف النّفوس من المسلمين؛ فيساوون بين المسلم والكافر بدعوى "الوحدة الوطنية" تماشيًا مع الواقع الضاغط عليهم! والأحرى بالمسلمين ألا يبالوا بهذه الدعاوى كلّها فهي مجرّد "فقاعات" أمام ما ينبغي أن يلتزمه المسلم من قضايا شديدة الصلة بعقيدته التي هي أغلى ما يملك في هذه الحياة.


 


·        كاتب فلسطيني.



 حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر



 


 *******************************






[1] من مقال بعنوان "حول الهوية الإسلامية" بتصرّف.



[2] إلى هنا ينتهي النقل من مقالي "الإسلام موقف".

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الهوية الإسلامية والطائفيّة 2

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7