الجمعة 25 نوفمبر 2011
قراءة في استراتيجية  حرب الأســد

 حق الدم
فهمي هويدي
ما يحدث فى مصر الآن غير قابل للتصديق، حتى أزعم أنه أقرب إلى اللامعقول منه إلى المبرر أو المعقول. ففى أى بلد محترم ــ أو يزعم أنه كذلك ــ لا يتصور أحد أن يخرج الناس للتظاهر أو الاعتصام السلمى، فيقتل منهم نحو ثلاثين شخصا ويشوه أو يصاب عدة مئات. إننا نرى المتظاهرين فى الدول الديمقراطية وهم يضحكون حين تحملهم الشرطة أثناء فض المظاهرات، فى حين رأينا الشرطة فى ميدان التحرير وهى تجر جثة أحد المتظاهرين وتلقى بها إلى جوار القمامة. وفى كل بلاد الدنيا المحترمة يخرج المتظاهرون وهم مطمئنون إلى أنهم سيعودون إلى بيوتهم آخر النهار. أما عندنا فقد وجدنا بعض الشباب وقد كتبوا قبل خروجهم أرقام هواتف أهاليهم على أذرعهم، لكى يستطيعوا التعرف عليهم فى مشرحة زينهم (التى تحول إليها الجثث) أو فى المستشفيات. كأن الاشتراك فى مظاهرة سلمية أصبح من قبيل الإقدام على عملية استشهادية أو انتحارية، حتى لم يبق أن يكتب هؤلاء وصاياهم قبل مغادرة بيوتهم والالتحاق بالمظاهرة.

إذا تململت فى مقعدك وقلت إننى أفسدت ملاحظتى حين أشرت إلى الدول «المحترمة»، وكنت واحدا ممن باتوا يشكون فى أننا كذلك، فربما كان معك بعض الحق. لكن لدى اعتبار آخر يقوى من حجتى، ذلك أننا إذا استبعدنا مسألة الدولة المحترمة التى لا ينبغى أن تلجأ إلى ذلك القمع، فإنه يظل من غير المعقول أيضا أن يحدث ذلك فى ظل ثورة انتفض فيها الشعب دفاعا عن كرامته، ثم بعد تسعة أشهر يفاجأ الشعب بأن السلطة الجديدة عادت لتدوس على كرامته مرة أخرى. صحيح أننا سمعنا وقرأنا عن ثورات أكلت أبناءها، وكان المقصود بذلك أن الثوار بعد نجاحهم كثيرا ما يلجأون إلى تصفية بعضهم البعض، أثناء صراعهم حول المغانم، لكننا لم نسمع عن ثورة قتلت شعبها إلا فى ظل ثورتنا المجيدة.

حين يحدث ذلك القتل بحق الشعب المسالم، وحين يثبت أن القتلة قصدوا إصابة ضحاياهم فى أعينهم، وحين يتبين أن رجال الأمن يستخدمون قنابل مسيلة للدموع ذات مواصفات خطرة تصيب المتظاهرين بالاختناق وربما أدت إلى موت بعضهم ــ فإنه يصبح من غير المعقول أن يبقى وزير الداخلية فى منصبه نهارا واحدا بعد ذلك. وتصبح مهزلة أن تستمر الحكومة فى موقعها وكأن شيئا لم يكن. ولا يكفى فى ذلك أن تستقيل الحكومة. ذلك أنه بكل المعايير فإن كل المسئولين ذوى الصلة بالموضوع يصبحون مدانين ومتهمين، من الناحيتين الجنائية والسياسية. وتصبح تنحيتهم أمرا مفروغا منه. شريطة ألا تكون التنحية إعفاء لهم من المسئولية فحسب، وإنما أيضا تمهيدا لمساءلتهم ومحاكمتهم على الجرائم التى ارتكبت بحق الشعب، بعلمهم أو بغير علمهم ولكن بأيدى رجالهم، وهو ما يعد ضرورة وطنية لا ينبغى التسويف فيها.

فى كل بلاد الدنيا فإن الثورة ضد أى نظام تنتهى باقتلاعه وإقصاء أركانه عند الحد الأدنى، إلا أن ثورتنا المجيدة قام بها الشعب ضد نظام مبارك، ثم سلمها إلى مؤسسات ذلك النظام، وكانت النتيجة أن الثوار أصبحوا يساقون إلى المحاكم العسكرية فى حين أن مبارك ورجاله باتوا يتدللون أمام المحاكم المدنية.

لقد غضبت جماهير الشعب المصرى حين أدركت أن شبابها يقتلون على أيدى رجال الأمن، فوزعت شرارات الغضب على كافة أنحاء مصر بعد الذى جرى يوم السبت الماضى، حين انقضت قوات الأمن المركزى على عشرات المعتصمين فى ميدان التحرير من أهالى الشهداء وغيرهم من المصابين فى مظاهرات إسقاط نظام مبارك، وفى نهاية أسبوع من المظاهرات العارمة والاشتباكات العنيفة مع قوات الشرطة والجيش. وهى الاشتباكات التى ظل القتلى والجرحى يتساقطون فيها كل يوم. قيل لنا إن المشير طنطاوى سيلقى أخيرا كلمة انتظرناها منه، تهدئ الثائرين وتطفئ نار الحريق المشتعل. لكننا فوجئنا بأن المشير عبر فقط عن الأسف لما جرى دون أى اعتذار أو إشارة أن محاسبة المسئولين عن جرائم قتل المتظاهرين، وأنبأنا بأنه قبل استقالة الحكومة، ثم حدثنا عن المستقبل قفزا فوق كل ما جرى فى الحاضر.

طوال الدقائق التى تحدث فيها المشير لم أر على شاشة التليفزيون سوى بقعة دم كبيرة تطل منها رءوس الشهداء وتتناثر أشلاؤهم أرجائها. وجدت أن «حق الدم» تم تجاهله وأرواح الشهداء طردت من الفضاء، وهدير الغاضبين الثائرين على المهانة والإذلال صار بغير صدى. اعتبرت ذلك نموذجا آخر للامعقول الذى بات عنوانا عريضا مكتوبا على جدران مصر. وأحزننى أننى رأيت بعد ذلك صورة على اليوتيوب للمشير وهو يؤدى التحية العسكرية، لكن الذين وضعوا الصورة لطخوا يده المرفوعة بالدماء، وأوجعنى كثيرا ما سمعته من أن الذين هتفوا ذات يوم بأن الشعب والجيش يد واحدة، غيروا رأيهم وهتفوا هذا الأسبوع قائلين الشرطة والجيش يد ملوثة!

 
 
   Bookmark and Share      
  
 حق الدم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7