الرئيسة في دائرة الضوء رجاء جارودي والدعوة إلى وحدة الأديان
 
الأحد 17 يناير 2010
د. سعيد بن محمد بن معلوي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, وبعد:
فرح المسلمون كثيراً حينما أعلن الفيلسوف الفرنسي (روجيه غارودي) إسلامه, وذلك لشهرة الرجل في العالم أولاً, والتأثير الإعلامي لإسلامه في العالم الغربي ثانياً, وثالثاً: حب المسلمين الخير للشعوب غير المسلمة بدعوتها إلى الإسلام، متمثلين بقول الله –جل جلاله- مخاطباً نبيه محمداً –صلى الله عليه وسلم- : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" [الأنبياء:107], وأكبر رحمة للناس دعوتهم للدين الحق, وهو الإسلام.
وبعد ربع قرن تقريبا اتضح لنا أن الرجل في وادٍ, وما يدعيه من إسلام في واد آخر. بل هو يدعو إلى دين تلفيقي انتقائي بين الأديان كلها, ومن فمه ندينه كما سيتضح للقارئ الكريم.
والرجل وإن كان له موقف من مبالغة اليهود فيما تعرضوا له على أيدي النازيين من حرق وقتل, ورأى أن الأعداد المذكورة مبالغ فيها, وغير صحيحة, فقد سبقه إلى هذا الإنكار أناس قبله في الغرب وفي غيره, كما تبعه آخرون في اتخاذ مواقف مماثلة, وهو موقف لا أرى فيه ميزة بقدر ما هو واجب على أمثاله ممن علم كذب اليهود وافترائهم, فالعدل مما يتفق عليه عقلاء البشر, والإنصاف سمة من سمات العالم المتحضر.
وقد يسأل سائل: ما سبب إثارة موضوع كهذا في مثل هذا الوقت؟ والجواب: هو أن الدعوة إلى وحدة الأديان كثرت هذه الأيام لأسباب يطول شرحها, وظهر في وسائل الإعلام المقروءة والمتلفزة من يدعو صراحة إلى وحدة الأديان؛ مستندين في دعواهم إلى رجال أمثال جارودي. كذلك فإن الرجل ما فتئ بين وقت وآخر ينشر دعوته لوحدة الأديان بوسائله الخاصة, بل أنشأ في قرطبة مركزاً لدعوته وضع فيه معابد عدة لمختلف الأديان والمذاهب. أيضاً فإن الرجل لم يتخل عن نصرانيته كما صرح هو، فهدفه هو إخراج المسلمين عن دينهم, ومزج الإسلام بالأديان الكتابية المحرفة والأديان الوضعية, وبالتالي هدم الدين الوحيد الذي ارتضاه الله للناس كافة.
وقبل بيان حقيقة ما يدعو إليه هذا الرجل, نعرف بشخصية جارودي, فهو: روجيه جان شارل جارودي، من مواليد مارسيليا بفرنسا، في 17/7/1913م فيلسوف فرنسي معاصر تنقل بين الفلسفات المختلفة، فانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1933م، واعتنق البروتستانتية في نفس العام- وكان قبلها يهودياً على قول بعضهم- ورأس جمعية الشبان المسيحيين البروتستنت. تعرف على الإسلام حين أودع سجناً في الجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية. أشهر إسلامه في 11/9/1402هـ الموافق 2/7/1982م في المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف، وتسمى باسم محمد رجاء (رجى) جارودي (عاد لاحقاً إلى اسمه الأول روجيه) ثم تزوج من الفلسطينية سلمى نور الدين الفاروقي التاجي وهي ممن شهد إسلامه. تبنى بعد إسلامه فلسفة تلفيقية على أساس من الدين الإبراهيمي الذي يدعو إليه؛ وهي دعوة ذات صبغة شمولية، بحيث تشمل الأديان الإبراهيمية الثلاثة، والرجل ينكر أي دور تشريعي للسنة النبوية، ويؤول العبادات الشرعية تأويلاً باطنياً، فالصلاة عبارة عن تفكير عميق في الذات الإلهية، والحلال والحرام أمور نسبية تختلف بحسب الظروف، والحدود في نظر جارودي نوع من الهمجية ينبغي منعه، فضلاً عن إنكاره للقدر وتأويله للبعث.. وهكذا. وقد عقدت حلقة نقاشيـة بجامعة الأزهر شارك فيها بعض العلمـاء والأساتذة، دعا فيها المجتمعون إلى إعادة النظر في إسلام جارودي_ على حد تعبير الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري
(1).
ولعل أخطر دعوات جارودي هي دعوته لوحدة الأديان فهو ذو نزعة تلفيقية ترمي إلى جمع مصطنع بين أشتات من أفكار أو دعاوى غير متلائمة لتكوين مذهب واحد. وقد دعا جارودي للوحدة بين الأديان ذاتها المنبعثة من مشكاة واحدة: الأديان الكتابية، تحت مسمى الدين الإبراهيمي، وفي ظل الماركسية التي يؤمن بها.
والهدف من الدعوة إلى الإبراهيمية هو بيان أن الإسلام هو صورة مطورة عن اليهودية والنصرانية بما تحويانه من تحريف وكفر وعقائد باطلة؛ وإثبات أن ((الإسلام اليوم لن يستطيع أن يستأنف مسيرته إلا إذا وسع كل حكمة وكل عقيدة يمكن أن يتضمنها ويضمها إليه))
(2) على حد تعبير جارودي. ومع ذلك فهو لا يستثني حتى الأديان الوضعية كالهندوسية والبوذية من دعوته لوحدة الأديان. ومما يدعو للغرابة أن روجيه جارودي في دعوته للإبراهيمية يوجه حديثه للمسلمين فقط دون غيرهم، والتنازل يكون منهم دون أن يوجه خطاباً لليهود أو النصارى أو لإخوانه الماركسيين.
يقول جارودي في إجابة له على سؤال من قبل محرر جريدة (تشرين) السورية حول تخليه عن الماركسية: ((أما لجوئي إلى التجربة التاريخية فأنا مُصرُّ عليها؛ لأنها الجانب الموضوعي الإيجابي في الماركسية. كما أصررت على كل ما قلته حول هذه التجربة التاريخيـة في كتابي "الماركسية"، وأحب هنا أن أؤكد بأنني لم أدر ظهري للماركسية على الإطلاق، ولم أقل ذلك... اخترت الحزب الشيوعي... ولا أرى تناقضاً في اختياري هذا، أي في الازدواجية...
لقد منحت الماركسية السبل والطرائق الكفيلة بوضع حد للعداوات أو الصراعات الاجتماعية... وبرغم حيرتي وقلقي، فقد حافظت على هذه الازدواجية طيلة خمسة وثلاثين عاماً، ولست نادماً على ذلك الآن بل العكس))
(3).
يقول جارودي: ((دخلت الإسلام وبإحدى يدي الإنجيل، وباليد الأخرى كتاب رأس المال لماركس، ولست مستعداً للتخلي عن أي منهما))
(4).
ويقول: ((عندما أعلنت إسلامي لم أكن أعتقد بأني أتخلى عن مسيحيتي، ولا عن ماركسيتي، ولا أهتم بأن يبدو هذا متناقضاً أو مبتدعاً))
(4) .
ويقول أيضاً: ((أنا جئت للإسلام بعد مسيرة طويلة تنقلت فيها بين الفلسفة المحضة والمسيحية والماركسية، وانتهيت إلى الإسلام دون التخلي عن اعتقاداتي الخاصة وقناعاتي الفكرية؛ لأن انتقالي إلى الإسلام لا يعتبر انقطاعاً من ماضٍ؛ بل هو تواصل لذلك الماضي الطويل الذي عشت فيه تجارب كثيرة، والدين الذي أنا عليه اليوم هو توفيق بين الإسلام وما سبقه من ديانات... وكوني أصبحت مسلماً فهذا لا يعني أني تخليت عن اعتقاداتي الدينية والفلسفية السابقة. لذلك فأنا عندما أنشأت متحف قرطبة للحضارة الإسلامية قبل ست سنوات في أسبانيا؛ قمت في هذه المناسبة بعقد مؤتمر ديني إبراهيمي، أسندت رئاسته بالتساوي إلى ثلاث شخصيات إسلامية ومسيحية ويهودية))
(5).
وفي سؤال عن الازدواجية التي يمارسها جارودي عن إيمانه بأديان متباينة، وفلسفات متناقضة، وكان السؤال بهذه الصيغة: كيف يمكننا أن نفهم غارودي المسيحي، وغارودي الماركسي، وغارودي المسلم؟ أجاب جارودي: ((لقد قادتني حكمة الحكماء، وفي مقدمتهم "كيركغارد"
(6) إلى العقيدة الإبراهيمية... وعليه فإنني لا أرى تناقضاً في اختياري هذا، أي في الازدواجية، بل على العكس إني أرى تكاملاً بين الغايات والوسائل... إن إيماني بالإسلام هو إنجاز وليس انشقاقاً، في الوقت الذي لا أنكر فيه المسيح ولا ماركس.. أنا سعيدٌ الآن وأنا في السبعين من عمري لأنني بقيت مخلصاً لأفكاري)) (7).
وجارودي يأمل في ((تعايش في فلسطين- بين- يهود ونصارى ومسلمين، دون أن يكون أحدهم تابعاً للآخر، في وحدة التقليد الإبراهيمي المشترك))
(8). ويتم هذا الأمل بـ ((التلاقي الأخوي بين الأديان الكبرى الإبراهيمية في فلسطين لجميع قبائل الأرض كما جاء في سفر التكوين)) (9).
ويؤكد جارودي عدم استقلالية دين من الأديان الكتابية بالتشريع دون الآخر، بـل لا بد من الأخذ بها جميعاً، وأن يفسر الحديث منها في ضوء القديم، يقول جارودي: ((التشريعات تتباين في التوراة والإنجيل والقرآن؛ بينما يشدد الله على تواصل رسالته: ينصح بالرجوع إلى أولئك الذين تلقوا الرسالة قبل القرآن، وبالتالي يوصي بالعودة إلى التوراة والأناجيل))
(10)، وسبب ذلك أن الشريعة ((مشتركة بين الديانات، في حين أن الفقه يختلف بين ديانة وأخرى)) (11).
ويرى جارودي أن الشريعة الإسلامية ليست صالحة لكل زمان ومكان، حتى لو كانت صادرة من وحي سماوي فيقول: ((نحن لا نسعى أبداً لأمثلة إنجازات كل المجتمعات الإسلامية التاريخية، بل نفكر بأن الادعاء باستخلاص تشريع صالح لكل الأزمنة، من نص موحٍ به، يصدر عن تمامية ضارة))
(12). ويقول: ((إن اعتبار القرآن كتاباً يتضمن تشريعاً صالحاً لجميع الشعوب وجميع الأزمنة، هو بالتأكيد تأويل ضيق ومميت لمستقبل الإسلام)) (13) ((سيكون من المحال أيضاً الادعاءُ باستنباط قوانين سياسية عالمية أبدية مباشرة من القرآن)) (14).
وبهذا المفهوم الفاسد أسقط جارودي حق المسلمين في الاحتكام إلى كتاب الله، أو أخذ التشريع منه؛ قبل أن يعرض ذلك على التوراة والأناجيل؛ ولاحظ أنه يقصد هذه الكتب بوضعها الحالي المحرف بدلالة ذكره للأناجيل بصيغة الجمع، مع ما هو معروف له ولغيره أن الإنجيل الذي أنزل على عيسى –عليه السلام- إنجيل واحد، وجارودي مقتنع بصحة الإنجيل مثله مثل القرآن، وكثيراً ما يقارن بينهما ويستدل بهما معاً
(15).
ولو سلمنا جدلاً أن الكتب السابقة بقيت على حالها لم تحرف فإن الله نسخها بالقرآن الذي هو الحكم الفصل في كل الأزمنة إلى يوم القيامة كما قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" [المائدة:48]، وقال تعالى عن كتابه: "لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت:42] وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال : ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حياً بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعني)) وفي رواية: ((والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني))
(16).
ويقر جارودي بإيمان واحد شامل لجميع الأديان والمعتقدات، هذا الإيمان يستطيع من خلال ثقافات مختلفة ((إنجاب ديانات متعددة، وإن هذا التعدد هو غنى؛ لأنه يتيح لنا فرصة تعميق إيماننا وإدراك تميزه: يتيح لنا فرصة التخلص من وهمنا القائم على اعتبار ديانتنا الديانة الحقيقية الوحيدة لأننا نجهل الديانات الأخرى))
(17).
ويقول أيضاً : ((ليس الأمر تسامحاً... بل إنه احترام التجارب المختلفة عن تجاربنا احترام الوجود الذي يتجاوزنا)) ويلزم من احترام التجارب المختلفة عند جارودي ((عدم الطلب إلى المسيحي بأن يصبح بوذياً، أو إلى المسلم بأن يصبح مسيحياً بل مساعدة البوذي على أن يصبح بوذياً أفضل، والمسيحي مسيحياً أفضل، والمسلم مسلماً أفضل. الأفضل يعني: القادر على تعميق إيمانه وإدراكه لله))
(18).
يقول جارودي: ((لقد حان الوقت للقول بوضوح: إن المرء يكون هندوسياً أو بوذياً، أو يهودياً، أو مسيحياً، أو مسلماً، ليس بما يعتقد، وإنما بما يفعل وانطلاقاً من هنا، أن نقدر ما تقدمه كل عقيدة دينية لتأنيس الإنسان))، ثم يستشهد على ذلك بقوله تعالى:"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" [المائدة: 48]
(19).
وبترُ جارودي للآية، واستدلالُه ببعضها كمن يستدل بقوله تعالى: "لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ" [النساء:43] ويسكت. فالله سبحانه وتعالى قال في الآية السابقة التي استدل بها جارودي:
"فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" [المائدة:48] فأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- بالحكم بين اليهود والنصارى إذا اختصموا إليه بالقرآن الكريم وحده، أو بما أوحاه الله إلى نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لا يجوز الحكم بغير ذلك ولو كان شريعة سابقة؛ لأن نزول القرآن مهيمناً أبطل ما خالفه، وإن كان الحكم فيما سبق من الشرائع موافقاً للحكم في القرآن ففي القرآن كفاية وهو ناسخ لما قبله.
ثم قال تعالى : "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً" [المائدة:48] فهذا تعليل لنهي النبي –صلى الله عليه وسلم- عن اتباع أهوائهم؛ أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم التي حرفوها وبدلوها بأيديهم أو عوائدهم الجاهلية فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم المهين على غيره الناسخ لما سبقه. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" [المائدة: 48] بين تعالى أن الاختلاف بين البشر سنة كونية قدرية لا مناص من وقوعها؛ لابتلاء الناس بعد أن بين لهم الحق من الضلال؛ حتى يتميز الصادق من الكاذب والمؤمن مـن الكافر.
وفي 12-15/2/1987م انعقد مؤتمر سُمي بالمؤتمر الإبراهيمي في قرطبة وبمشاركة أعداد من اليهود والنصارى والقاديانيين والإسماعيلين، وقد انعقد المؤتمر تحت اسم: "مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية". وافتتح جارودي مركز قرطبة للأبحاث الإسلامية والذي يعمل على وحدة الأديان ومن آرائه أن الصلاة المفروضة ثلاث وليست خمساً
(20).
والذي ينبغي ذكره هنا أن ملة إبراهيم عليه السلام هي الإسلام، وليست ملته اليهودية والنصرانية: "مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" [الحج:78]. وقد امتن الله على العرب بأن أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم- التي حرفها غيرهم وحاد عنها- فقال تعـالى: "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"[آل عمران:95].
وقد هدى الله نبيه محمدا –صلى الله علهي وسلم- وأمته إلى ملة إبراهيم التي ضل عنها غيرهم:
"قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:161-163]. فهذا هو الإسلام، وهو بيان لملة إبراهيم، يؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [النحل:120-123]. أي الزم ملة أبيك إبراهيم، وهي التوحيد الخالص، والإخلاص لله الذي هو معنى الإسلام.
ويلوي جارودي أعناق النصوص القرآنية في سبيل التوفيق بين الإسلام والنصرانية، فيقول : ((سنضع جانباً أيضاً الاتهامات الموجهة من المسلمين إلى المسيحيين حول سر التثليث؛ لأن محتوى سورة الإخلاص يتطابق تماماً مع قول مجمع (لاتران- latran) المنعقد عام 1215م حول التثليث : "الله أب وابن وروح قدس" وهذه هي حقيقة معنى "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" [الإخلاص:3] القرآنية
(21).
ولو كان المسلمون يقرون بالتثليث كما زعم جارودي لما كانت هناك حاجة أصـلاً للوحدة التي يدعو إليها جارودي، ولكن المسلمين يؤمنون برب واحد وإله واحد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون. وسورة الإخلاص- والقرآن كله- تنص على نفي ما يدعيه النصارى في أن المسيح هو ابن الله: "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" فكيف يفتري جارودي أن هذه السورة تدل على عقيدة الشرك: التثليث ؟ لقد استخف جارودي بعقول المسلمين جميعاً، وزور الحقائق الثابتة التي لا يختلف عليها اثنان من المسلمين؛ فهل بقي إسلام في قلب جارودي بعد إعلانه عن وثنية التثليث التي يؤمن بها، وعن ماركسيته التي رفض التخلي عنها؟
ومما يظهر تخبط جارودي وقد بلغ به العمر؛ محاولته التوفيق بين الإسلام والفلسفات الهندية- تعاليم اليوبانيشاد على وجه الخصوص- على أساس وحدة الوجود، فيؤكد في البدء أن الديانة الهندية ديانة توحيدية لأننا نجد فيها ((معنى الوحدة العميقة للإنسان وللطبيعة ولله من خلال تنوع أسماء الله))
(22) وهذا ما يجعلها مع الإسلام على قدم المساواة في ضوء إيمانها بوحدة الوجود.
يقول جارودي: (("السفيتارا يوبانيشاد" تعلم: "الله الواحد الكامن في كل الكائنات الداخل في كل شيء الوجود الداخلي لجميع المخلوقات... تماماً كما يقول بها القرآن الكريم بكل أبعادها في سورة الحديد: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الحديد:3]
(23).
وهذا ما يؤكد لدى جارودي أن ((كل الرسالات المقدسة تنبثق منا لله الواحد، وتحمل التعاليم نفسها. فمثلاً إن تأملاً عميقاً حول الأدفايتا الهندية وتوحيد المسلمين.. يغني أفكارنا المتبادلة حول الوحدة، ويظهر التشابه الواقعي وكذلك الاختلاف في العمل بين هندوسي حقيقي ومسلم حقيقي، الناتج عن أفكار كل منهما حول الأدفايتا والتوحيد))
(24).
فالاختلاف بين المسلم والهندوسي هو في العمل، وبمعنى آخر الوسيلة، أما الأصـول فهما يشتركان فيها. فالذي يؤمن بإله واحد قادر لا شريك له؛ هو ومن يعبد ما لا يحصى من الآلهة بمختلف الصور والأشكال: على قدم المساواة عند جارودي في الإيمان. فأي ميزة بعد ذلك للإسلام ناسخ الأديان كلها، الذي حارب عقيدة الشرك بمختلف صورها وألوانها، وأتى ليحر رالعباد من عبادة الأصنام والأوثان والأشجار والأشخاص إلى عبادة الله الواحد الأحد لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، تعالى الله عما يقول الجاحدون علوا كبيراً.
واستدلال جارودي بقوله تعالى: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"[الحديد:3] على وحدة الوجود، استدلال فاسد؛ إذ إن الآية تثبت لله تعـالى أنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو الباقي تعالى بعد زوال الأشياء كلها وفنائها، وتثبت له تعالى علوه فوق خلقه فوق سماواته، وهو مع علوه أقرب بعلمه وسمعه إلى الإنسان من نفسه.
قال إمام المفسرين الطبري رحمه الله في تفسير الآية: ((هو الأول قبل كل شيء
بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل كذلك؛ لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال تعالى : "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" [القصص:88]. والظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه. وهو الباطن حميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تعـــالى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[قّ:16]
(25).


(*) أستاذ العقيدة المساعد بكلية المعلمين بأبها، ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بالكلية
(1) ينظر: فكر جارودي بين المادية والإسلام، عادل التل. ومجلة المجلة، العدد (389) الصادر في شهر شوال من عام 1416هـ.ومجلة الأمة، العدد (29) جمادى الأولى 1403هـ، فبراير 1983م، : ص 65-73، مقابلة مع جارودي، وفيها صورة لشهادة إشهار جارودي للإسلام، والتي لا يظهر فيها توقيع لجارودي؟ مجلة الإصلاح العدد (338) 1-14/2/1996م: ص 44-47.
(2) وثيقة أشبيلية: من أجل إسلام القرن العشرين، رجاء جارودي، وهو التقرير الذي قدمه جارودي في المؤتمر الذي انعقد في أشبيلية في الفترة: 18-21/6/1985م (وهذه الوثيقة منشورة ضمن كتاب: لا لجارودي ووثيقة أشبيلية، د. سعد عبدالمقصود ظلام ): ص 24.
(3) روجيه جارودي من الإلحاد إلى الإيمان، رامي كلاوي: ص 189-190, عن مجلة تشرين السورية, عدد يوم 25/3/1984م.
(4) روجيه جارودي والمشكلة الدينية، الميلي : ص 279.
(5) روجيه جارودي من الإلحاد إلى الإيمان، رامي كلاوي: ص 200, عن حوار مع جارودي نشر في جريدة البعث السورية يوم 25/3/1984م، أجرى الحوار ميه هاشم، ووليد مشوح. وفي نفس الحوار ( ص 205) يقول جارودي : "إنني أعتبر نفسي ماركسياً".
(6) مجلة المجلة، العدد (839) ، شوال 1416هـ
(7) سورين آبي كيركغارد: فيلسوف دنمركي، ولد في كوبنهاغن (1813-1855م) ينتمي إلى الفلسفة الوجودية بل هو المؤسس الفعلي لها. ويرى أن حقيقة الوجود تعرف عن طريق التجارب الذاتية للأفراد، هذه التجارب التي تستمد قوتها من وجود الإنسان الذي يسبق ماهيته. ينظر الموسوعة الفلسفية: ص 387. ومعجم الفلاسفة: ص 560.
(8) روجيه جارودي من الإلحاد إلى الإيمان ، رامي كلاوي : ص 188-193. عن جريدة تشرين السورية ، يوم 25/3/1984م. وقد أكد جارودي أنه لا يزال على إزدواجيته ودوجماتيته في مجال العقيدة في حوار له مع مجلة "المجلة" في عددها رقم (839) في شوال عام 1416هـ.
(9) فلسطين أرض الرسالات السماوية ، رجاء جارودي، ص 604. وينظر: الإسلام في الغرب، روجيه غارودي: ص 239-246.
(10) فلسطين أرض الرسالات السماوية، رجاء جارودي، ص 628.
(11) الأصوليات المعاصرة: أسبابها ومظاهرها، روجيه غارودي: ص 82.
(12) نحو حرب دينية، روجيه غارودي:ص 41.
(13) وعود الإسلام ، روجيه غارودي : ص 44.
والتمامية يطلق على كل ما لا يقبل التطور على حسب مفهوم الفيلسوف باسكال، ينظر معجم لالاند: 2/959، 1054.
(14) وعود الإسلام ، روجيه غارودي : ص 100.
(15) وعود الإسلام ، روجيه غارودي : ص 100.
(16) ينظر محاضرة غارودي التي ألقاها في المركز القومي للدراسات القضائية في القاهرة، يوم الإثنين 21/3/1983م، بحضور شيخ الأزهر جاد الحق رحمه الله . المحاضرة ضمن كتاب : رجاء جارودي وإسلام أبيض ، د. سعد ظلام: ص 69-72.
(17) رواه أحمد : 23/349 ، رقم (15156) . والدارمي (39) باب ما يتقى من تفسير حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- رقم (449) 1/403 . وابن أبي عاصم في السنة ، رقم (50) 1/27 . والبغوي في شرح السنة ، رقم (126) 1/270 . وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/42) . حسنة الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل ، رقم (1589) 6/34 .
(18) حفارو القبور ، غارودي ، ص 159.
(19) حفارو القبور ، غارودي ، ص 160.
وفي مقابلة مع مجلة "الموقف" اللبنانية عام 1984م . يدعو جارودي إلى " وحدة فدرالية للطوائف الدينية" تشمل الديانات كافة. ينظر المقابلة كاملة في كتاب روجيه جارودي من الإلحاد إلى الإيمان ، رامي كلاوي : ص 181.
(20) الحوار الإسلامي المسيحي، بسام داود عجك ص 445 عن نداء إلى الأحياء لجارودي: 220.
(21) الإسلام والأديان ، محمد عبدالرحمن عوض: ص 15.
(22) الإسلام الحي ، روجيه غارودي : ص 18 . وينظر للمؤلف نفسه: نحو حرب دينية: ص 23.
وقرار مجمع لاتران عام 1215هو كما ذكر جارودي في كتابه (نحو حرب دينية: ص 23): "إن الحقيقة العليا هي في آن واحد: آبٌ وابنٌ وروحٌ قدس ، وهذه الحقيقة لا تلد ولا تولد ولا تنبثق من غير ذاتها" فأي توحيد في هذا التثليث، وأين تنـزيه الله تعالى عن أن يكون له ولد؟
ولأن الاضطراب والخلل مصير كل دين تمتد إليه الأيد بالتحريف والعبث، فقد تلا هذا المجمع أربعة مجامع أخرى تحمل الإسم نفسه (مجمع لاتران) وهو بالمناسبة اسم قصر في روما عقدت فيه هذه المجامع في الفترة ما بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر الميلاديين. ينظر: معجم الإيمان المسيحي : ص 409.
(23) الإسلام الحي : ص 72.
(24) الإسلام الحي : ص 73.
(25) الإسلام الحي: ص73-74 . كما سعى جارودي في كتاب: "نحو حرب دينية: ص 27-30" إلى التوفيق بـين الإسلام والنصرانية على أساس مبدأ وحدة الوجود.
(26) جامع البيان عن تأويل آي القرآن : 27/215.
وينظر جوانب أخرى من تخريفات جارودي وتهجمه على المسلمين في الجزيرة العربية, وإمامهم أحمد ابن حنبل, في كتاب: جدلية العقل في الفكر والعبودية, لأبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري: ص99-113.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 رجاء جارودي والدعوة إلى وحدة الأديان

عبد الرحمن - بلاد الله الخميس 8 يوليو 2010 6:1:19 بتوقيت مكة
   ممتاز
جزاك الله خيراً على هذا التوضيح. فكثير من الناس كان مخدوعاً بهذا الرجل. وعندما ترجم له أول كتاب - أعتقد الإسلام والغرب!- وطبع في سوريا في الثمانينات- في نفس الوقت الذي يحارب فيه الإسلام والمسلمون من قبل الحكومة الطائفية، علمت أن في الأمر شيء. وهأنذا أقرأ بعد سنوات طويلة هذا المقال مؤكداً ما كنت أظنه في الرجل بعد أن انقطعت عن متابعة أخباره.
جزاكم الله خيراً.
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7