الأربعاء 30 ديسمبر 2009

 فاطمة عبد الرؤوف

ترددت طويلا في كتابة هذا المقال فلقد حاصرني الشعور بالذنب والغفلة الطويلة وربما حالة البلاهة التي كنت أعيشها ويعيشها الكثيرون مثلي عندما يسمعون عن المخطط التنصيري الذي يستهدف المسلمين فيكتفون بالسخرية من هؤلاء الذين يحملون أفكارا مهترئة لا يقبلها عقل طفل غرير وتاريخا معاديا للعلم في عصر يمثل العلم أحد أعمدته وكنت أشعر بداخلي بالشفقة على هؤلاء الذين تركوا كنائسهم خلفهم خاوية وجاءوا يتوهمون أنهم قد يجدون في بلادنا فراغا روحيا سوف يشغلونه بهذه الترهات العجيبة التي يرددونها وكنت أعتقد كما يعتقد الكثيرون للأسف الشديد أنه لن يتبعهم إلا من بلغ به الفقر حافة الموت والجهل حد العدم وأنه سيقول لهم مايريدون دون إيمان بشيء منه .

كنت للأسف الشديد انظر لفكرة المواطنة نظرة بريئة ولحوار الأديان بحسن نية ..كنت في قرارة نفسي أظن أن بعضنا يبالغ في التحذير وأن قضية التنصير ليس لها أولوية كبيرة في طريقنا الملغم بالمشاكل بدءا من استعادة الأرض المقدسة وانتهاء باستعادة الإنسان المسلم والإنسانة المسلمة من قيم الاستلاب وكنت مخطئة .

إشارات من الواقع

كلما قرأت عن الأرقام المذهلة المرصودة لهذه الجريمة وكلما عرفت أكثر عن الوسائل المروعة والجهود الشاقة التي يبذلها هؤلاء المنصرون وكلما تابعت واقعنا الجديد بعد هذه السنوات العجاف أدركت كم كنت مخطئة في أفكاري السابقة وتذكرت إشارات كثيرة ..كيف لم أنتبه لها ولم اضعها في حجمها الطبيعي وسياقها المنطقي؟

قريبنا مدرس اللغة العربية الذي جاءته فرصة عمل في أحد المدارس الخاصة المشهورة في مدينتي ومعظم طلابها من المسلمين وفوجيء أن بكل فصل صليب كبير وأن هناك صلوات مسيحية لابد أن يشارك فيها جميع الطلاب في كنيسة ملحقة بالمدرسة في الوقت الذي لا يوجد فيه مسجد أو صلاة وغير مسموح للطالبات بالحجاب حتى لو كن في الثانوية العامة وعندما اعترض المعلم المسكين على كون حصص اللغة العربية هي دائما في نهاية اليوم الدراسي في الوقت الذي يكون فيه الطلبة في أسوء حالاتهم لم تخجل المديرة الراهبة من أن تقول له بكل وقاحة تعلم أن اللغة العربية لا تعنينا كثيرا !

وهذا الصيدلي النصراني الهمام استطاع في فترة وجيزة أن يجعل المرضى يتدافعون نحو صيدليته على الرغم من امتلاء المنطقة بصيدليات كثيرة فهو بشوش مبتسم يداعب الأطفال ويتألم لمرض الكبار ويوفر على المرضى الفقراء ثمن الذهاب إلى الطبيب فهو بارع في وصف الدواء عندما يعلم بأعراض الشكوى ولا يتردد عندما يشعر أن الأمر أعلى من طاقته في حث المريض للتوجه للطبيب وغالبا ما يكون الطبيب نصرانيا هو الآخر..وهو يعطي الحقن العلاجية مجانا في غرفة صغيرة ملحقة بالصيدلية مكدسة بالصلبان والصوروالتماثيل التي يعبدونها..ثم هو لا يتكلم فلقد كانت رسالته التي نجح فيها أن يقول الكثير من البسطاء المسلمين إن النصارى أحسن من المسلمين!

أما التجربة التي لا يمكن أن أنساها فهي لقائي الشخصي بالمتنصرة زينب زوجة المتنصر محمد حجازي قبل فترة وجيزة من إعلانهم عن ردتهم عن الإسلام ودخولهم العقيدة النصرانية *

كانت صدمتي الكبرى وأنا أعرف أن ثمة مناطق معينة فيها بيوت كل ساكنيها من المسلمين المتنصرين وبدهاء شديد يتم استقطاب مسلمين جدد طوحت بهم ظروف الحياة الطاحنة لمثل هذه البيوت التي يمارس فيها صنوف الضغوط من الإغراءات إلى التهديدات حتى يرتدوا عن دينهم ..لن أنسى ما قالته عن زكريا بطرس وكيف تكون حلقاته دروسا إجبارية على ساكني هذه البيوت.

الحقيقة إنني قررت في النهاية أن أكتب هذا المقال كي أذكر نفسي وأذكر إخواني وأخواتي أن ثمة مسئولية فادحة تقع علينا جميعا إذا لم ننتبه لمثل هذا الخطر فالكلمة أمانة والعمل على إيجاد حلول عملية واقعية أمانة وهذه هي رسالتنا.

أشكال متنوعة

هناك صورا كثيرة لعمليات التنصير فعن طريق التعليم يتم برمجة عقول أبنائنا وعن طريق الخدمات الطبية والعلاجية يتوغلون إلى قلوبنا ووجداننا وعن طريق الإعلام يثيرون الشبهات في عقول شبابنا وعن طريق المال يصطادون ضعاف النفوس..أما اسوء وأحقر الطرق جميعا فهو تحطيم المسلم وتفتيته عن طريق تفكيك منظومته العقدية والخلقية وتركه نهبا لصور شتى من النسق القيمية المتنوعة والتي لا يجمع بينها سوء الارتداد العملي عن الدين حتى لو لم يعتنق النصرانية بشكل صريح وهذه هي الاستراتيجية التي أعلنها زويمر الذي يعد أبو التنصير في العصر الحديث في مؤتمر القدس الذي انعقد سنة 1935ـ لاحظ المكان الذي انعقد فيه المؤتمرـ يقول زويمر وهو يوجه خطابه للمنصرين الجدد في هذا المؤتمر: (مهمة التبشير الذي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية فإن في هذا هداية لهم وتكريماً, وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام, ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله, وبالتالي فلا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها, وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام, وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم عليه دول المسيحية والمسيحيون كل التهنئة . لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية.....".

 النسوية والتنصير

ولعل الفلسفة التي تقوم عليها النسوية هي عين مادعا إليه زويمر فهي تعتمد بصورة أساسية على التنكر للوحي واستدباره فيما يتعلق بقضايا النساء وقضايا الأسرة وتعتبر أن الدين ظلم المراة وكبلها وجعلها في مكانة أقل من الرجل وبالتالي على النساء أن يتمردن على هذا الوضع وعلى كافة الاسباب التي أدت إليه وفي مقدمتها الدين ومايشكله من منظومة قيمية وما يستتبعه من تشكيلات مجتمعية تأتي على رأسها الأسرة فالمرأة النسوية ترفض قوامة الرجل وتريد صلاحيات مماثلة له في كل شيء وبعض المتطرفات يردن صلاحيات أكبر فهي تعمل مثله وتغيب نفس ساعات غيابه وتسافر متى شاءت وتطلقه متى أرادت وهي مطالب بدأ بعضها يعرف طريقه إلى بعض المجالس التشريعية في بلادنا والنسوية تدعو أيضا لامتلاك المرأة لجسدها بمعنى أنها حرة فيما تقيم من علاقات جسدية وليس للدين سلطة عليها وهناك الكثير من الكتابات العربية تتضمن مثل هذه الأفكار بعضها بشكل مباشر وبعضها بشكل مستتر ولكنها تصب في نهاية المطاف في صالح الفكرة النسوية كما صيغت في الغرب .

هذه الافكار الشيطانية صيغت على صورة اتفاقيات دولية ملزمة كاتفاقية "السيداو " وتابعتها مؤتمرات دولية لضمان متابعة مافيها كمؤتمرات بكين المتتالية وعما قليل ستندلع أعمال مؤتمربكين +15 للمتابعة الحثيثة وضمان تنفيذ المقررات السابقة .

هذه الأفكار النسوية تشتبك مع التنصير في علاقة جدلية فالتنصير في أهم أشكاله يريد أن يمزق المسلم والمسلمة من الداخل وهو ما تقوم به الأفكار النسوية بدأب واهتمام كبيرين تحت وهج من الشعارات البراقة كالمساوة والتمكين ونحوذلك, وفي الوقت نفسه تمهد الأفكار النسوية الأرض للتنصير بشكله الصريح المعلن فعندما تتتنصر إحدى النساء النسويات ممن يترأسن واحدة من المنظمات النسوية التي ترفع شعار مناهضة العنف ضد المرأة وتعلن بشكل وقح أن الإسلام لم يحترم حقوق الإنسان ولم يحترم حقوق المرأة على وجه الخصوص وهو ما وجدته في عقيدة النصرانية التي لم تسمح للرجل بتعدد زوجاته على حد زعمها فهي نتيجة منطقية مقصودة كغراس للفكر النسوي الذي وإن كان يعادي في الظاهر كل الأديان إلا أن الحقيقة أنه يقف في مواجهة مباشرة مع الدين الإسلامي الذي لا يمتلكه كهنة يصيغونه وفقا للإرادة البشرية كما فعل كهنة النصرانية الذين أباحوا الشذوذ واستطاعوا ببرجماتية منقطعة النظير التماشي مع كافة الأهواء البشرية.

هناك رابط أساسي يجمع بين النسوية والتنصير ألا وهو طبيعة الشبهات المثارة ضد الإسلام حيث يستخدم التنصير ماانتهى إليه الفكر النسوي للطعن في الإسلام بمعنى أن ما لايقل عن 50% من الشبهات الموجهة من المنصرين مرتبط بموقف الإسلام ونبيه من المرأة ؛حتى أنه في معركة المآذن الأخيرة في سويسرا تم الربط بين المرأة المسلمة وبين المآذن ففي واحدة من أشهر الملصقات تم وضع صورة امرأة منتقبة حادة العينين بجوار المآذن وكان هذا كافيا كي تنشط نسويات الغرب ويصوتن ضد بناء المآذن.

فهلا تنجح امرأتنا المسلمة في القيام بدور إيجابي حيال هذه المعركة الجهنمية بدءا من تقوية بنياننا الداخلي في الأسرة وتفويت الفرصة عليها لتفكيكها أو إضعافها مرورا بمنح جزء من وقتها وحنانها ومشاعرها لفقراء وأيتام ومعوزين وجهلاء ومرضى يقعون فريسة سهلة في ايدي فرق التنصير العالمية انتهاءا بتحمل مسئوليتها كاملة في صنع واقع جديد يتبوء فيه الإسلام رسالة الله الخالدة مكانته في توجية حياة البشر.

-------------------

* تم نشر التفاصيل الكاملة لعملية التنصيرالمؤلمة هذه في مقال بعنوان (أنا وزينب والتنصير)

 

رسالةالإسلام

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نساء في معركة التنصير

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7