الرئيسة تقارير وتحليلاتتقارير عام 2009تنصير المغرب ومنطق الدولة
 
الإثنين 28 ديسمبر 2009

 

بين الفينة والأخرى تُلقي السلطات الأمنية بالمغرب القبض على خلايا تنصيرية، وتقوم بترحيلها على عجل إلى البلدان التي أتت منها، جاهدة ألا يتضخم الأمر فيخرج عن حدود السيطرة، فتتلقى ضربات سياسية وحقوقية ودينية من الدول والهيئات الأجنبية.

 وتُذكر بالسوء في تقرير الحريات الدينية الذي يوزع فيه الأمريكان العلامات السيئة والحسنة على جميع بلدان العالم دون تقييم لدولتهم.

وقد يصل الحال إلى العقاب والتأديب لما انتهكته الدولة المغربية من حقوق ولما اقترفته من اضطهاد ديني للأقليات.

من آخر فصول هذه المشاهد تلك المجموعة من المبشرين الذين اُكتُشف أمرهم شرقي المغرب في الأسبوع الثالث من شهر ذي الحجة والأسبوع الأول من شهر دجنبر.

وحيال هذه الواقعة وأخواتها، ينبغي أن نستحضر في النظر إليها ثلاثة أمور في غاية الأهمية: الأمر الأول هو النشاط الدعائي للمسيحية عموما، والبروتستانتية الإنجيلية خصوصاعبر العالم، وهو ما يرادف النشاط الدعوي للمنظمات الإسلامية أيضا.

والأمر الثاني هو الحضور الإسلامي المتصاعد في الغرب وما يثيره من إشكالات و"أزمات" مختلفة الأشكال والتوتر، آخرها قصة الاستفتاء الشعبي حول منع الصوامع بسويسرا، وهو الاستفتاء الذي كان وراءه اليمين السويسري- واليمين الأوروبي- المقرب من التيار الإنجيلي الذي كان بدوره وراء أزمة الرسوم المسيئة لرسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام.

 ويُشار هنا إلى أن بعض أعضاء المجموعة التنصيرية التي اُكتُشفت في مدينة السعيدية قرب مدينة وجدة كانوا سويسريين.

 والأمر الثالث هو رد فعل الدولة المغربية باعتبارها دولة إسلامية يتربع على عرشها أمير للمؤمنين تقع على عاتقيه مهمة حماية حمى الملة والدين وفق الدستور المغربي.

لقد اتضح أن العالم اليوم- وقد صار قرية صغيرة- يشهد تنافسًا محمومًا وسباقًا شديدًا بين الدعوات الدينية لإقناع الناس بأفكارها ورؤاها وأسلوب الحياة المرتضى للفوز بالسعادة في الدين والدنيا والآخرة.

 وهناك اليوم آلاف من المنظمات والهيئات والمواقع والمجموعات المدججة بالوسائل لإدخال الناس إلى "عالمها البهي" وإخراجهم من "عالمهم الشقي"، وتقديم "الخلاص" لهم من "السجون التي يقبعون فيها والجلادين المكلفين بحراستهم".

 ويومٌ بعد يوم تصطف تلك المنظمات وتتمايز حدودها لخوض معارك-تراها فاصلة وقريبة- كما أنها تضع أقدامها في محيط القرار السياسي لكل دولة وحكومة عن طريق لوبيات أو تحالفات خفية وجلية لحشد التأييد اللازم وضمان النصرة يوم الفصل القادم.

ولا حاجة لنا الآن لذكر خطط الإنجيليين الأمريكيين لغزو العالم، ونفثهم الريح العقيم بأمريكا اللاتينية وأفريقيا، بل وهجومهم المزدوج- على الإسلام والكاثوليكية- في أوروبا الغربية التي اُضطُهد فيها أجدادهم منذ قرون فهربوا بدينهم نحو "أرض الميعاد" الأمريكية، فطهروها من الهنود الحمر.

وفي فرنسا، فرح الإنجيليون أيما فرح بقانون 1905 للفصل بين الكنائس والدولة، ورأوا فيه "إيذانا بغروب شمس الكاثوليكية، "ميراث الماضي"، وانتقًاما للبروتستانتية الحقة، ملة المولودين الجدد"، وهم اليوم يقودون حملة ضخمة لتوسيع الرقعة ونشر الصدى، حسب تحقيق طويل جدا للكاتب باتريس دي بلونكيت في كتابه الأخير "الإنجيليون نحو غزو العالم"، الطبعة الأولى فبراير 2009.

ولِفهم سياق بعثات التنصير المختصة بالعالم الإسلامي تُسعفنا رؤية الأصوليين البروتستانتيين الأمريكيين للعالم، إذ يرون أن الأرض ساحة معركة تخاض فيها الحروب ذاتها التي تدور رحاها في السموات العُلى، ففريق الخير هو الحضارة "المسيحية" وعالمها الأنجلوساكسوني، ومجالات "دعوتها" هي الحضارة اللاتينية الأمريكية والحضارة الآسيوية، وأعداؤها هم على الأقل اثنان: الحضارة الروسية "ملك الشمال القبيح" الذي ما يزال يخفي شيوعيته- الدب الأحمر- والحضارة الإسلامية "مملكة الشيطان". وضمن هذه الرؤية يصير للمبعوثين بالنصرانية إلى ديار الإسلام وضع خاص، فإرسالياتهم ليست "إرساليات تبشيرية" فقطن ولكنها "جيوش خير" استطاعت "اختراق الجبهة".

في فبراير سنة 2008، عندما طردت الجزائر خلايا تبشيرية بمنطقة القبائل، قال بيان تبشيري للإنجيليين الكنديين "إن على الرئيس بوتفليقة أن يدرك أن التهديد الحقيقي للجزائر لا يأتي من المسيحية، بل من الإسلام".

ونضيف إلى هذا المُعطى عنصرًا آخر يُلقي الضوء على ما يجري حوالينا، وما يأتي إلينا من فرنسا-صديقتنا الحميمة: ذلك أن البروتستانتيين هم أكثر الفئات تأثيرًا في القرار السياسي الفرنسي إذ يحتلون الصدارة في ذلك، حسب دراسة جوزيفيل باطاي المنشورة يوم 22 أكتوبر 2009 بالمجلة المسيحية الفرنسية "لافي"، الحياة، العدد 3347.

معنى هذا أن الضغط السياسي على المغرب يجعله يتعامل مع المجموعات التنصيرية المُعلن عنها مثل من اكتشف جمرة مشتعلة في بيته فسارع إلى إبعادها عنه مخافة أن تحترق الدار كلها.

 ولا غرو أن الدولة تُدرك أن هناك ضغطًا سياسيًا ودينيًا  ثانيا، يوشك أن يزيد في اللهب مصدره الحركات الإسلامية بالمغرب والعالم الإسلامي، ناهيك عن الضمير الجمعي للمغاربة تجاه التنصير.

 وما يزيد في حرج الدولة ووقوعها بين نارين أن الملك فيها هو أعلى سلطة دينية تقع عليها مسؤولية ذات حساسية كبيرة، هي تدبير الشأن الديني وحماية المسلمين ممن يسعى لزعزعة عقيدتهم. فتداخل السياسي والديني في وظيفة الدولة يجعلها ترتبك أمام المجموعات التبشيرية وأمام الأنشطة الدينية للمذاهب والملل الأخرى إذا تجاوزت حدودها وهددت "المنطق السياسي" للدولة، وهو المنهج ذاته الذي يُفسر تعامل الدولة نفسها مع ضغط الشواذ الجنسيين للاعتراف بهم إسوة بإخوانهم في الغرب.

وأمام هذا التداخل والتعارك، وللخروج منه، لا تنفع الحملات الأمنية السياسية، بل يستثمرها المبشرون لتقديم أنفسهم على أنهم ضحايا القمع والاضطهاد، فيكون الخاسر الأكبر هو الدولة نفسها.

 وإن أحسن طريقة للرد على حملات التنصير هو فتح المجال أمام قوافل الدعوة والإرشاد الرسمية والشعبية، باعتماد خطة مندمجة وشمولية يتزاوج فيها الوقائي مع العلاجي، بتعقب خطوات المنصرين ومحو سيئاتهم بالحسنات، ومناظرتهم علانية لفحص صدق دعواهم من زيفها أمام الخاص والعام.  

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تنصير المغرب ومنطق الدولة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7