الرئيسة مقالات مقالات 2009المعجزات بين الحقيقة والخيال..جمال اسعد
 
الإثنين 28 ديسمبر 2009

* الكاتب مسيحي ويتحدث من منظور مسيحي

مرت البشرية بمراحل مختلفة من حالات التطور الإنساني ذلك علي المستوي الديني والفلسفي والعلمي ولذا قد رأينا أن الدين ذاته كان في البداية في شكل بعض الأوامر الناهية عن فعل الشر، بداية من قصة آدم حيث كان الأمر بألا يأكل من الشجرة، حتي تطور الأمر إلي إرسال الرسل والأنبياء ثم كانت أخيراً الشرائع والأديان السماوية، وفي إطار هذا التطور التاريخي الإنساني كانت الأسطورة أحد أساليب الإبداع البشري كخيال واسع وضع فيها ومن خلالها الإنسان الحكمة والموعظة والاستمتاع بخيال خصب يجعله يتعامل مع الميتافيزيقي وغير المرئي، ولذا قد ولدت المعجزات من رحم هذا المسار التاريخي وما زال الإنسان يتعامل مع بقايا من هذا وتلك القابعة في الضمير الجمعي الإنساني بالرغم من التطور العلمي والتكنولوجي الهائل والكاسح.. ولعل هذا وذاك يمثل حالة من حالات التوازن بين المادي وبين الروحي، فما هي المعجزة إذن؟ المعجزة هي الفعل أو الحدث الذي لا يتكرر ولا يخضع للعادة المستمرة والذي لا يمكن تكراره، وهذا يعني أنه لو تصورنا أن هناك معجزة ما وتكررت مرة ومرات لم تصبح معجزة، فهل عملية الغذاء الذي يتناوله الإنسان وكيف يتحول إلي قود وطاقة للحياة أليس هذا معجزة؟ ولكنها تتكرر وانما وباستمرار ولذا افقدت جانب الاعجاز فيها وأصبحت عادة يومية حياتية.. وهنا ما هي المعجزات في المسيحية؟ لاشك أن المسيحية تؤمن بالمعجزات خاصة أن الكتاب المقدس سجل معجزات عدة للسيد المسيح بل القرآن الكريم قد تحدث عن بعض هذه المعجزات مع العلم أن جميع المعجزات الواردة في الإنجيل لم تأت جزافاً ولكن لكل معجزة هدفاً وغاية تعليمية هامة جداً.. ولذا لم تأت المعجزات بعدد كثير ولكنها كانت محدودة العدد، فمثلاً كانت معجزة شفاء المولود من بطن أمه أعمي كانت بهدف إثبات لاهوت المسيح حيث تفل من التراب ووضعه علي عين المولود أعمي، كما أن المعجزة بالرغم من حالة الإعجاز التي تصاحبها ولكن كانت لا تخلو من مشاركة بشرية أيضاً للتعليم.. فمثلاً عندما أقام السيد المسيح أليعاز من الموت ذهب إلي مكان الدفن وطلب من الجموع أن ترفع الحجر من علي القبر فهل الذي سيقيم الميت لا يستطيع أن يرفع حجراً؟.. إذن المعجزات الإنجيلية كانت لأهداف ترتبط برسالة المسيح ذاته، ثم تتابعت بعض المعجزات من خلال التلاميذ والرسل في بداية البشارة المسيحية وذلك كنوع من التعامل مع المبشرين لإثبات قدرة الدين الجديد، ولكن بعد انتشار المسيحية في العالم كله لم تعد تلك المعجزات تؤدي دورها الذي كان، لماذا؟ لأن المؤمن المسيحي الحق والصحيح لم يعد في احتياج لمثل هذه المعجزات حتي يقوي إيمانه مثلاً، فانتظار المعجزة لتقوية الإيمان هو نوع من ضعف الإيمان، كما أنه ليس بالضرورة أن كل من يعلن عن ظهور معجزة تكون معجزة حقيقية بالفعل، فهناك بعض الدجالين والنصابين والمشعوذين يختلقون مثل هذه المعجزات للتربح مثلاً.. بل الأهم يمكن للشيطان ذاته أن يأتي بمعجزات خارقة وفوق قدرة وإمكانات البشر وقد أكد ذلك الكتاب المقدس، وهناك كثير وكثير من الادعاءات بحدوث تلك المعجزات وتكون في الواقع مختلقة ولا علاقة لها بأي إعجاز كان، ولهذه الأسباب وغيرها كثير فقد نظمت الكنيسة وحددت الخطوات التي يجب أن تتبع مع أي معجزة حقيقية، فلا يجب الإعلان عن أي معجزة في أي مكان ما سواء كنيسة أو غيرها إلا بعد إخطار الكنيسة حتي يتم تشكيل لجنة من المجمع المقدس ويمكن أن يشارك معهم متخصصون من العلماء، علي أن ترصد تلك اللجنة الظاهرة وتسجلها وتحللها وبعد دراسة روحية ولاهوتية وعلمية، يخرج المجمع المقدس وليس غيره ببيان رسمي كنيسي يعلن عن تلك المعجزة، وذلك حتي لا يترك الباب للادعاء والشعوذة التي تسيء إلي الدين أكثر من أن تفيده بل تنحرف بالإيمان بدلاً من تقويته، وهنا لنا أن نسوق بعض الامثلة علي ما أطلق عليه معجزات ولم تعترف به الكنيسة بشكل رسمي وديني، ثم بعض التجليات وظهور الأنوار والحمام الطائر في كنيسة أسيوط، منذ سنوات ولكن لم يصدر مطران أسيوط بياناً ولم تقل الكنيسة إنها معجزة، مثال آخر أتوا بضلفة شباك من أحد المستشفيات التابعة لأحد الأديرة وقالوا إن صورة البابا كيرلس طلعت علي ضلفة الشباك وجاءوا بها إلي الدير وأقاموا لها مقصورة وتوافد الجميع وأغدقوا علي الدير بتبرعاتهم، وعندما سألت رئيس الدير عن ذلك قال هذه لا معجزة ولا يوجد هناك معجزة من الأصل، فقلت له لماذا لم تعلن ذلك حتي لا يتم الاساءة للمعجزات وللكنيسة كلها، فقال لا أستطيع أن أعلن ذلك فالمدروشون لا يقبلون ذلك ويمكن أن يشككوا في إيماني، وهنا الخطر الحقيقي وهو مجاراة المدروشين والغوغاء وقليلي الإيمان والأدعياء الشيء الذي يجعل الحقيقي يتوه مع الباطل والشعوذة تنتصر علي العلم والدروشة تكون بديلاً للإيمان، ونتوه في حالات التدين الشكلي الذي لا علاقة به بالإيمان الحقيقي والصحيح.

والمثل الآخر، خرجت علينا إحدي السيدات في إحدي قري القوصية مدعية أن العذراء ظهرت لها وصنعت معها معجزة في صدرها. وقامت السيدة بلصق صورة العذراء علي حائط وتحتها كيس به زيت. وتسابق البشر من كل فج علي مستوي الجمهورية وعندما استشعرت الخطر الذي يمكن أن يحدث قمت بزيارة السيدة وتأكدت من اختلاق ما فعلت وأنه لا علاقة له بالمعجزات وتأكدت أن سبب الإدعاء تشاجرها مع حماتها فادعت ذلك حتي تتمايز عليها بأن العذراء قد ظهرت لها، وقمنا بنفي هذا الكلام المسيء، إذن لماذا هذا الادعاء بالمعجزات؟ لاشك فنحن في حالة متردية من انتشار الخرافة والتوجه إلي الدجل والشعوذة وفي هذا الإطار يدخل أيضاً الادعاء بالمعجزات، فكل من هب ودب يدعي معجزة، وكل الصور المقدسة ينزل منها الزيت وكل حادث بسيط يتحول إلي معجزة.

وهنا نقول ونأكد أننا لسنا ضد المعجزات الحقيقية التي يصنعها الله سبحانه وتعالي فهو قادر علي كل شيء، كما أننا نؤمن بالمعجزات الكتابية وأيضاً تلك المعجزات التي يتم التأكد منها حسب ترتيبات الكنيسة، ولكن غير ذلك فهو نتيجة لأسباب كثيرة، منها للأسف علي المستوي الكنسي البعض يقوم باختلاق معجزة في كنيسة معينة بهدف إجلاب أموال التبرعات من البسطاء لصاحب المعجزة وهذا نوع من التكسب غير المباح دينياً ولا أخلاقياً لأن أهم من المال هو تسطيح وعي البشر والمساهمة في تراكم الخراف والدجل حتي أصبحت تلك الأشياء مسار حياة لأغلب المصريين، السبب الآخر هو مغازلة ذلك التدين الشعبي الذي يجنح الي الخيال والقابع داخله الأسطورة بهدف كسب هذا القطاع الأعمي للخضوع الديني باسم هذه المعجزات المختلقة. كما أنه من الأسباب أيضاً تلك الحالة الكارثية التي يعيشها المصريون نتيجة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والطائفية ولغياب المنهج العلمي يغدون إلي تلك الاختلاقات، ناهيك علي المستوي المسيحي لتصاعد هذا الاحساس بالاضطهاد الذي يشعر به الغالبية يتم اختلاق تلك المعجزات كنوع من التعويض النفسي والتمايز الديني في ذات الوقت، وهذا التمايز بلاشك مقصود به الآخر، إذن هل هناك علاقة بين تلك المعجزات التي يتم اختلاقها وبين الإيمان المسيحي؟ لاشك أن الإيمان المسيحي والمسيحية تحتم الإيمان بالمعجزات الكتابية والتي يتم التحقق منها كنسياً، ولكن دون ذلك لا علاقة بالإيمان بالمسيحية وبين تلك الادعاءات، مع العلم أن انتشار تلك الادعاءات دليل تزعزع إيماني وخلواء روحي وتدين شكلي لأنه مثلاِ ماذا لو لم تظهر مثلاً العذراء؟ هل يتزعزع إيماني بالمسيحية وتمجيدي للعذراء؟ الإيمان الحقيقي لا يرتبط بظهورات أو تجليات أو اختلاق معجزات، فما هو شكل هذا الإيمان الذي سيقوي عند مشاهدة التجلي أو غيره، وهل هذا إيمان؟ أما موضوع ظهور العذراء بالوراق فحتي هذه اللحظة وقبل صدور بيان رسمي من الكنيسة وبعد الرصد والدراسة، فلا يجب ألا ينساق أحد وراء أي ظاهرة إلا بعد التأكد الروحي والكنسي منها، كما ان بيان أسقف المنطقة لا يكفي فهو ليس كل المجمع المقدس، فهل يمكن أن يكون الإيمان الديني للمصريين جميعاً إيماناً حقيقياً يوقر في القلب ويظهر في الأعمال حتي يتمجد الله القوي القدير؟ هل نترك الخرافات والاختلاقات ونعيش مشاكلنا بهدف حلها ولا نستسلم لها، حيث إن الإيمان القوي يرتبط بالعمل القوي والصالح، والله يرشدنا إلي الإيمان الصحيح.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المعجزات بين الحقيقة والخيال..جمال اسعد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7