الرئيسة في دائرة الضوءagora دراما هزت الكنيسة
 
الإثنين 28 ديسمبر 2009

حقيقة القديس كيرلس
أثار عرض الفيلم الإسباني "اجورا" للمخرج الكبير أليخاندرو أمينابار في بانوراما الفيلم الأوروبي جدلا كبيرا، وطالب الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس بمنع عرض الفيلم لأنه يتطاول علي القديس"كيرلس" عمود الديانة المسيحية في مصر، وما أكد هذه المعلومة أن عماد ابو غازي أمين المجلس الاعلي للثقافة أكد لجابي خوري موزع الفيلم في مصر أنه قبل بعرضه فقط في البانوراما ولا يعده الآن للعرض التجاري،"فيلم أجورا" عرض خارج مسابقة مهرجان كان السينمائي الدولي الدورة الماضية، وحقق رد فعل هائلا لأنه من الأفلام الملحمية الجيدة، والغريب أن الكنيسة أثارت نفس المشكلة مع رواية عزازيل ليوسف زيدان التي تدور أحداثها في نفس زمن الفيلم، وهي فترة مظلمة في تاريخ مصر وهناك خلاف وجدل تاريخي حول وجود بعض المتطرفين المسيحيين الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية وقتلوا الفيلسوفة "هيباتيا"، إلا أن الكنيسة عادت لتوافق علي الرواية وقررت أن تناقش من خلال كتاب أصدره الأنبا بيشوي يحمل اسم "الرد علي البهتان في رواية يوسف زيدان"، وأعاد فيلم أجورا الأزمة من جديد علي السطح، وما لا يريد أن يفهمه البعض أن الفيلم هو عمل فني ويحلل اجتماعيا فترة مهمة في تاريخ مصر، وليس تأريخا لثورة المسيحيين في مصر وليس بالمنع تنتصر الأفكار لأن الفيلم متاح علي الانترنت للجميع كما أنه يباع الآن في الشوارع، وما تفعله الكنيسة يخدم الفيلم أكثر مما يخدم أفكارها، الفيلم يتناول "هيباتيا" والتي تؤدي دورها راشيل ويلز تلك العالمة والمفكرة الكبيرة والتي تعد رمزا للحرية ونبذ التعصب العنصري والديني والعرقي، هي عالمة رياضيات وفلك ومنطق وابنة "ثيون" آخر زملاء متحف الإسكندرية الذي كان بداخل مكتبة الإسكندرية، ولدت في نهاية القرن الرابع الميلادي، وشهدت نهاية الحضارة "الهلينية" التي بدأت في القرن الرابع قبل الميلاد وهي حقبة متأخرة من الحضارة الإغريقية التي اختلطت فيها الحضارة الشرقية بالغربية واليونانية بالفرعونية والرومانية، ملامحها تبدو شديدة الجمال ذكية تشغل نفسها بأسئلة مهمة حول علاقة الأرض بالشمس وهل هي كروية أم لا.. ماهية الكون، لماذا يتعاقب الصيف والشتاء، علاقتها جيدة بالطلبة حولها الذين أصبحوا مريدين لها خاصة "دافوس" العبد والذي يحضر دروسها ويتجادل معها ويتعلم منها علي الرغم من أنه مجرد عبد لا يحق له التعلم، لذا تمنحه "هيباتيا" الحرية، هي ملحدة لا تؤمن بالأديان، ولكنها تحترمها وترفض التطرف، علاقتها بالشخصيات الدرامية حولها تدور في خطين متوازيين الأول "دافوس" العبد الذي يحبها حبا صامتا وهي لا تري فيه إلا تلميذا، و"أوريستوس" القائد الروماني الذي سيتحول في نهاية الاحداث إلي حاكم الإسكندرية، ومن خلال الشخصيات الثلاثة سنقرأ الأحداث داخل الإسكندرية العاصمة الثانية للامبراطورية الرومانية في هذا الوقت، علي المستوي الاجتماعي نحن نتحدث عن طبقتين تحكمان الإسكندرية الأغنياء والفقراء والعبيد، الأغنياء معظمهم من اليهود الذين يسيطرون علي كل شئ دينيا داخل المدينة ويحملون قدرا كبيرا من التطرف، يرفضون المسيحيين ويعاملونهم بعنصرية، أما الطبقة الحاكمة فهي غائبة وتظهر وتختفي لكن دون فعالية حقيقية، في المقابل تنتشر الديانة المسيحية مثل الطوفان الجارف وفي سرية شديدة، لأن المسيحي الذي يعلن نفسه يتعرض للقتل، يعتنق"دافوس" الديانة المسيحية، دون أن يعلم أحد، تكتشف"هيباتيا" مسيحية عبدها السابق وتتستر عليه، في هذه المرحلة هي تؤمن بالحرية الدينية وترفض قهر المسيحيين وتتستر عليهم، في نفس الوقت عرفت أكثر بمبدأ الدفاع عن العلم ضد الدين، لذا ظلت"هيباتيا" حتي الآن رمزا للحرية في كل العصور، الخط الرومانسي في علاقة الحب بين"هيباتيا" و"أوريستوس" غير مكتمل، ويظهر في ومضات قصيرة داخل أحداث النصف الأول، اليهود بهم علماء ومفكرون ومتطرفون والمسيحيون يمثلون الغالبية الصامتة للشعب فقراء مقهورين ينتظرون الثورة ومن بينهم أيضا متطرفون، يتحول الصراع الأساسي هنا بين المتطرفين اليهود والمتطرفين المسيحيين، في لحظة يقرر اليهود البطش بمجموعة من المسيحيين وقتلهم، يدعي أحدهم أن الكنيسة تحترق ويهب الكثيرون من المسيحيين لإنقاذها ليكتشفوا أن هناك كمينا نصبه اليهود ويقتلون المسيحيين، هنا تنفجر الثورة المسيحية في الإسكندرية، الثورة التي كان وقودها تدمير مكتبة الإسكندرية وسيطرة المتطرفين المسيحيين علي كل شيء، وطرد الحاكم الروماني لليهود تقريبا من الإسكندرية خوفا من غضب المسيحيين، وفي المقابل يبقي الفقراء سواء مسيحيين أو يهود كما هم مجرد مشاعر انتصار وانهزام زائفة، يقود"أمونيوس" جماعة من الرهبان المتعصبين، يهدم كل آثار الحضارة الرومانية والإغريقية وبقايا الحضارة الفرعونية تكفيرا لهم وللمجتمع باعتبار أن مخلفاتهم وثنية ضد الدين، يصل الأمر إلي تدمير مكتبة الإسكندرية نفسها، ويكتشف الجميع أن المسيحيين أصبحوا مثل الطوفان الجارف الذي لا يستطيع أحد الوقوف أمامه حتي الحاكم الروماني نفسه، وفي مشهد بديع ومؤلم يقتحم المتطرفون أتباع "أمونيوس" متحف الإسكندرية ويدمرون مكتبة الإسكندرية ويحرقون الهراطقة وبقايا اليهود، في الوقت الذي تحاول فيه"هيباتيا" جمع كل الوثائق العلمية والتاريخية وإنقاذها من المكتبة قبل الحرق وبمساعدة تلميذها"دافوس" والذي أصبح حرا طليقا يسير في فلك"امونيوس" وجماعته ومؤمنا أيضا ب"هيباتيا" كفتاة أحلام وفي نفس الوقت بأهمية العلم في مواجهة التطرف الديني، وفي وسط هذا الزخم يتصاعد الخط الرومانسي بين"هيباتيا" و"أوريسيوس" الذي يصبح حاكما للاسكندرية، والذي يصبح أيضا مسيحيا، أما الاسقف"كيرلس " فهو يوافق علي بهدلة اليهود وتحطيم منازلهم ومحلاتهم التجارية، وفي هذا الصدد يقول الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس في كتابه"الرد علي البهتان" : كانت السنوات الأربع الأولي لباباوية القديس كيرلس سنوات عاصفة، حيث كان علي عاتقه أن يدافع عن الإيمان الأرثوذكسي المقدس ضد الهراطقة النوفاتيين (الذين رفضوا توبة الذين أنكروا الإيمان أثناء الاضطهاد).

وأن يرد علي عنف ودسائس اليهود لكي يتمكن من إنقاذ قطيعه. وكان من واجبه أيضًا أن يوجّه شعبه ويبعدهم عن الفلسفة الوثنية. وهكذا نجد أنه كان علي القديس كيرلس أن يحارب في عدة جبهات، بالإضافة إلي أن أوريستوس حاكم الإسكندرية.

(والذي كان يريد أن يعين الأرشيدياكون تيموثاوس بطريركًا بدلاً من القديس كيرلس قبل رسامته بطريركًا) خلق مشاكل كثيرة للقديس كيرلس منذ بداية أسقفيته.

نعود إلي الفيلم حيث يطلب حاكم الإسكندرية من"هيباتيا" الزواج بشرط أن تعتنق الديانة المسيحية، تعلق هيباتيا قائلة إنها فيلسوفة، هو يقف مكتوف الأيدي لا يستطيع أن يقف أمام التطرف، لدرجة أن البابا يطلب منه الركوع، يرفض الحاكم مؤكدا أنه مسيحي مثله لكنه لن يركع، فيضرب الشعب الحاكم بالحجارة، ودائما الشعوب تنتفض من أجل اسباب دينية وليست سياسية أو عقائدية هذه رسالة هامة يؤكد عليها الفيلم وفي النهاية يفضل الفتي أن يقتل أستاذته حتي يرحمها من الرجم علي يد المتطرفين في مشهد رائع يحتضنها فيه وهو يخنقها متألما مما يحدث لها، الأنبا بيشوي يقول في هذا الصدد إن منذ زمن الفيلسوف الوثني Damascius >وحتي يومنا هذا اعتاد أعداء القديس كيرلس أن يحمّلوه شخصيًا مسئولية هذه الجريمة، وبنظرة فاحصة إلي التاريخ المسيحي المبكر نري أن أجيال المسيحيين الذين لم يستسلموا للوثنية (أو أي ممارسات دينية أخري تتعارض مع معتقداتهم المسيحية) قد عُذِّبوا بقسوة بدون النظر إلي السن أو الجنس، وعُذِّبوا أحيانًا لسنوات، ثم قُتلوا ونالوا الشهادة علي أيدي الأباطرة الوثنيين والحكام، ونجد أن أحداث عذاباتهم وموتهم لم يلتفت إليها أحد من المؤرخين الحديثين، وهنا يجب أن نسأل: لماذا إذن أثار مقتل فيلسوفة وثنية واحدة -هيباتيا- علي أيدي رعاع المسيحيين كل هذا الاهتمام، بينما قَتْل الكثير من المسيحيين لم يُلاحَظ أو يُذكَر؟

يقول سقراط إن هذا الحادث لم يأتِ ولا بأقل ملامة علي كيرلس أو كنيسة الإسكندرية، والبعض -وأشهرهم جيبون الذي يسمي الجريمة"عمل كيرلس البطولي"- يفسرون تفسيرًا خاطئًا وبوقاحة هذه الملحوظة عندما يعتبرون أن القتل هو فعل كان (كيرلس) متورطًا فيه شخصيًا... وقد أعاد الفيلسوف الوثني سرد الحادث خصيصًا ناسبًا اللوم والاشتراك في الجريمة لكيرلس شخصيًا، ولكن ما كتبه كان بعد 130 عاما من الأحداث، وكل ما كتبه هو إجحاف واضح من البداية ومملوء كرهًا شديدًا للطريقة التي استخدمتها المسيحية في قمع مهنته واسلوب حياته،. وبعد جيبون جاء تشارلز كينجسلي -3>Charles Kingsley نهاية الفيلم فقد بدأت من اعتبار المتطرفين لها وثنية وفتوي البابا بجلوس النساء في المنزل، والتي وقفت أمامها، فيسوقونها جماعة المتطرفين بعد سلسلة من المطاردات إلي السوق ويجردونها من ملابسها، وتتحول الساحة من منارة للأدب والثقافة والعلم إلي ساحة من ساحات العصور الوسطي التي يحكمها مجموعة من المتطرفين، تذهب ضحية هذا ثلاث حضارات أثرت الانسانية وهي اليونانية والرومانية والفرعونية، جميع الأفكار التي طرحها الفيلم في زمن يسبق الذي نعيشه بألف وستمائة عام تصلح للعصر الحالي، هو عمل ينبذ التطرف والتعصب في العصر الحالي سواء أكان مسيحيا أو إسلاميا أو يهودي، يرفض العنصرية واستعباد الفقراء، وينتصر لقيم أكبر وهي العلم والفلسفة والتفكير، وهذا مايؤكد اننا لسنا أمام فيلم ديني بل أمام عمل يناقش ظاهرة اجتماعية لا أكثر، بدليل أنه لم يؤرخ كل شيء، وخلق المؤلف شخصيات خيالية لا جذور تاريخية لها مثل العبد"دافوس"، واستخدم المخرج ديكورات رائعة ومصنوعة بدقة تقترب من كمال اللوحة التشكيلية، كما استخدم مدير التصوير ألوانا زاهية في الجزء الاول من الفيلم وفي الجزء الثاني استخدم ألوانا قاتمة تعبر عن قتامة العالم الذي يحكمه متطرفون، أما علي المستوي التقني بشكل عام فقد فاق الفيلم في إبهاره افلاما تاريخية وملحمية كانت الأكثر إبهارا مؤخرا مثل "المصارع" و"حصان طروادة" و"مملكة الجنة"، لقد شاهدنا جميعا فيلم المصير للمخرج الراحل يوسف شاهين وصفقنا له جميعا بعد أن تعرض لبداية الظلام في الدولة الإسلامية حينما أصبح التطرف هو الحاكم، ومزج"شاهين" بين الواقعي والخيالي، وهو مافعله "أليخانرو أمينبار" أيضا بشكل أكثر إبهارا استحق معه تصفيقا استمر لأكثر من 10 دقائق في الصالة الكبري بقصر مهرجان كان السينمائي الدولي.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 agora دراما هزت الكنيسة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7