الرئيسة مقالات مقالات 2009العذراء والشعب الأبيض
 
الأحد 27 ديسمبر 2009

وائل قنديل

أكاد ألمح ابتسامة رضا وارتياح على وجوه صانعى القرار فى مصر وهم يتابعون هرولة عشرات الآلاف من المصريين يوميا خلف شائعات ظهور السيدة العذراء فى هذه المنطقة أو تلك.

ذلك أن ظهور العذراء هو بحد ذاته فرصة لتوارى واختفاء ملفات شديدة الحساسية انفتحت فجأة على غير رغبة الحكومة فى توقيت أربكها وأصابها بانزعاج شديد.

من ذلك مثلا حديث التغيير الذى صار بندا ثابتا فى كل حوارات المصريين منذ ألمح الدكتور محمد البرادعى لإمكانية ترشحه لانتخابات الرئاسة المقبلة.

ومن ذلك أيضا حالة التعتيم والتكتم المتعمدة على تقرير الاستشارى الدولى بشأن المحطة النووية وما يكتنفها من تسريبات عن توصية بالضبعة باعتبارها المكان الأفضل لإنشاء المشروع النووى.

ولا يخفى على أحد أن التلكؤ فى إعلان تقرير الاستشارى العالمى يخفى وراءه صراعا مكتوما بين فريقين داخل النظام حول الضبعة والتى يحاول فريق الشباب اختطافها سياحيا لتكون مكانا للشاليهات والمنتجعات، بدلا من وجع الدماغ النووى واستحقاقاته المالية والسياسية.

وفى المقابل يبدو فريق الشيوخ عاجزا حتى الآن على الأقل عن توفير المواد الأولية لبناء قرار سياسى قوى يستطيع الصمود أمام رغبات الفريق المدجج بالاستثمارات ومصادر التمويل الضخمة.

ولا أستطيع أن أستوعب أو أتفهم حالة الصمت التى تخيم على الجميع رغم أن الاستشارى العالمى انتهى من تقريره وسلمه إلى من بيده القرار، وأزعم أنه لا معنى ولا مبرر منطقيا لإرجاء الإعلان عن موقع المحطة النووية حتى أول يناير المقبل، إلا إذا كانت الحكومة موقنة تماما بعجزها أمام التيار الجارف الذى يريدها منطقة سياحية، ومن ثم فلا مناص من انتظار بابا نويل ليمنحنا محطة نووية فى المكان الذى يحدده، أو يبدو أن الحكومة تؤثر الانتظار لحين انتهاء موسم تجلى السيدة العذراء، فربما يتبجح أحد المسئولين ويزعم أنها تركت وراءها إشارة أو بشارة بالموقع المناسب.

غير أن المشهد بكامل تفاصيله يكشف عن حالة من اليأس من إيجاد حلول وإجابات على الأرض فلا بأس من استمطار واستنطاق السماء بما عجز البشر عن إدراكه بما يملكون من قدرات انهارت، وعقول وضعت فى الأقدام لنلعب بها الكرة، فلتحتفظ الحكومة بابتسامة الرضا، وهى تتابع موجات الارتحال الجماعى من الواقع بكل ما فيه إلى فضاء الغيبيات الذى يتسع لمواراة كل الملفات المزعجة.

وليهنأ هذا الشعب بعمليات الغسيل التى تستهدف وعيه وعقله حتى صارا أكثر بياضا من الثلج.

جمعية المنتفعين من ظهور العذراء


وائل قنديل 
 
مقالك اليوم فى «الشروق» ينم عن كفر متعمق داخل وجدانك السافل.. أنا مش عارف دينك إيه بس يا أخى حتى لو كنت بتكره الدين المسيحى والمسيحيين.. احترم دينك الحنيف واحترم مكانة العذراء فى دينك وإذا كان لك غرض من وراء مقالك الوسخ أو بالعربى لو كان حد (دافعلك) يبقى مش على حساب العذراء.. احترم العذراء لأنه ــ وبالرغم من طيبة قلبها ــ فإن رد فعلها.. سريع وعنيف وقاسٍ!

السطور السابقة حملتها رسالة قارئ اسمه ــ أو أطلق على نفسه ــ مينا ممدوح على بريدى الإلكترونى تعليقا على مقال كتبته يوم الخميس الماضى بعنوان «العذراء والشعب الأبيض» وكنت حريصا فيه على ألا أقترب بتاتا من مناقشة مسألة الظهور من عدمه، كما لم أتطرق إلى الجدل المستعر حول ميتافيزيقية الحكاية أو واقعيتها.

كل ما لفت نظرى ــ ونظر كثيرين غيرى ــ فى المسألة هى طريقة التعامل مع الحشود الغفيرة التى خرجت بعشرات الآلاف لمتابعة ما قيل إنه ظهور العذراء فى عدد من المناطق، ورأيت فى حالة التسامح والطبطبة الأمنية على هذه التجمعات، المليونية وفقا لبعض التقديرات، ما يشى بأن هناك نوعا من الرضا الصامت من جانب الحكومة استثمارا للحدث فى إلهاء الناس عن قضايا ومشاكل شديدة الخطورة على حياتهم، مثل قانون الضرائب العقارية أو بناء الجدار العازل بين مصر وفلسطين أو التشويش على الجدل المتصاعد حول ترشيح البرادعى أو موضوع الصراع المكتوم على منطقة الضبعة بين فريق يريدها سياحية وآخر يرى أنها الموقع الأنسب لإقامة المحطة النووية.

ومازلت أرى أن وراء الاندفاع الشعبى العنيف وراء ما قيل إنه ظهور السيدة العذراء حالة من اليأس وفقدان الأمل فى كل الأشياء على الأرض، فلا بأس من البحث عن الخلاص القادم من السماء، مع ملاحظة أن الخروج الجماعى وراء تجلى العذراء لم يكن قصرا على الإخوة المسيحيين، بل شاركهم بعض المسلمين.

وأزعم أن كل ما سبق لا يحمل أية إساءات لمشاعر الإخوة المسيحيين أو مساسا أو حتى نقاشا للمعتقد الدينى لديهم، غير أنه للأسف الشديد تبين لى أن استغلال ظهور السيدة العذراء تجاوز منطقة الاستثمار السياسى، ودخل إلى مساحة من التربح الطائفى من قبل أولئك الذين لم يرحموا أشواق الجماهير إلى الخلاص، والذين يمكن تسميتهم «المنتفعون من ظهور العذراء» فصنفوا الناس إلى مؤمنين وكفار، وحسب منطقهم المعوج يصبح كافرا كل من لم يسلم بظهور العذراء أو يحاول التعامل مع المسألة بشكل عقلانى.. ما هذا العبث؟


جريدة الشروق

 
 
   Bookmark and Share      
  
 العذراء والشعب الأبيض

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7