الرئيسة تقارير وتحليلاتتقارير عام 2009الصفح والعفو مقابل التعصب والحسد
 
السبت 26 ديسمبر 2009

 

كشفت أزمة استفتاء حظر بناء المآذن بسويسرا عن الوجه الحقيقي للقضية حين أقر زعماء اليمين والتيار الإنجيلي المسيحي أن المعني بالمنع هو الإسلام ذاته وليست صوامع مساجد المسلمين الأوروبيين. إقرار أكده أيضا كثير من الباحثين الموضوعيين حول الحضور الإسلامي بالغرب عموما وأوروبا خصوصا.

فهذا أوسكار فريزينغر، كاتب وبرلماني ومؤسس لحزب اتحاد اليمين الأوسط، يعترف جهرا أن الهدف الأول من مبادرة الاستفتاء هو "فتح النقاش ليس حول الصومعة في حد ذاتها، ولكن حول الإسلام الذي يشكل خليط متفجرات ونذيرا بالتوسع والانتشار". أما تحالفه مع الإنجيليين فلأنهم  في نظره"يعتبرون أن سويسرا أرض مسيحية بلا منازع".

دانييل زينغ من أبرز زعماء المبادرة الشعبية السويسرية،عضو الكنيسة الإصلاحية لكانتون بيرن السويسرية، وعضو نشيط في الطائفة الإنجيلية الحرة، كما أنه ناشط سياسيا في الحزب الديمقراطي الفدرالي، ويقود مشروعا للتنصير في 14 دولة. وبهذه الصفات شارك في عدة تجمعات إنجيلية بمدن وقرى سويسرية تحت شعار "إسرائيل بين الوعد الإنجيلي وسعي الإسلام للهيمنة"، رفعت فيه رايات الدولة العبرية. كما أنه دائم السفر إلى إسرائيل لأنه يعتبرها  دولة تتجاوز وضعها الجغرافي إلى أبعاد دولية ودينية، وهو موقن أن إنشاء هذه الدولة عام 1948 كان تتويجا لنبوءات الرب، وهو مقتنع حتى النخاع أن الإيديولوجية الإسلامية لا يصدر عنها  سوى الكراهية لإسرائيل.

ويرى أنصار هذه النحلة المسيحية أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ارتكب خطأ فظيعا عندما وصف القرآن بالكريم أو المقدس في خطابه الموجه للعالم الإسلامي من القاهرة غداة تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، فهذا الوصف في نظرهم يعني إنكار الإنجيل، وهما كتابان لا يلتقيان، لأن القرآن يصف الإنجيل بالمحرف، وإله القرآن ليس هو إله الإنجيل، والحوار بين الأديان لا معنى له إذ "لا يوجد أي حل مع الإسلام إطلاقا".

اتخاذ الإسلام عدوا من قبل اليمين والبروتستانتية الإنجيلية بالغرب لم يعد سرا خفيا منذ مدة، وازداد الأمر انكشافا مع أزمات الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام بالدانمارك، وقضية الحجاب والنقاب بفرنسا، وقضية الشذوذ الجنسي بهولندا، ومصرع المصري المتحجبة مروة الشربيني بألمانيا، وتدنيس المساجد في عدة بلدان أوروبية... وأكد هذا الأمر كثير من الباحثين في الحضور الإسلامي بالغرب. ففي سويسرا، وتزامنا مع استفتاء حظر المآذن، أصدر المرصد الديني، religioscope، كتابا سهلا ممتنعا يوم 3 ديسمبر الماضي بعنوان "صوامع الخلاف" تحت إشراف باتريك هايني وستيفان لاتيون، وشارك فيه سبعة باحثين آخرين. الباحث الأول يشتغل بالمركز المذكور ومساعد مدير نسيج بولاريتي للبحث والمبادرة المختص في دراسة الشرق الأوسط، ومؤلف كتاب "إسلام السوق.. الثورة المحافظة الأخرى"، 2005.

 أما  لاتيون فهو أستاذ جامعي بجنيف ورئيس مجموعة البحث حول الإسلام بسويسرا، وباحث بمرصد الأديان بسويسرا، ومؤلف كتاب "الحضور الإسلامي بأوروبا.. مساهمة في ..."2006.

هناك عدة أسباب دعت السويسريين إلى قبول مقترح منع بناء الصوامع، أبرزها أن الصوامع ليست منسجمة مع أسلوب الهندسة البنائية بسويسرا، وأن الدول الإسلامية لا تقبل ببناء كنائس جديدة للمسيحيين، بالإضافة إلى الخلاف السويسري مع ليبيا ورئيسها معمر القذافي الذي لا يزال متوترا ومستمرا.

ولكن الظهور المتزايد للإسلام وشعائره ومظاهره، مثل لباس المرأة والمساجد والصوامع والأعياد، يحتل الرتبة الأولى في دواعي الاستفتاء.

الباحثان أوليفييه موس وباتريك هايني خلصا في خاتمة الكتاب إلى أن الحضور الإسلامي بالغرب يستفز هوية المجتمعات الغربية التي تعيش أزمة حقيقية، وليس الإسلام سوى مشجب تعلق عليه المشاكل الناجمة عن العولمة وفتح الحدود والسوق الواحدة وغيرها، وهي مشاكل يعاني منها المسلمون أيضا سواء كانوا في المشرق أم في المغرب.

 

ويرى الباحثان أن التخويف من "الإسلامية"، أي الحركات الإسلامية، انتقل إلى التخويف من الإسلام نفسه، إذ أن الصوامع لم يشيدها الإسلاميون، بل المسلمون. وصار التخويف هو الحصان المفضل لدى كثير من السياسيين الشعبويين سواء كانوا في الحكم أم في المعارضة، ولنتذكر ما جرى في المغرب غداة تفجيرات 16 مايو 2003 التي تعرض فيه حزب العدالة والتنمية، ثم حركة التوحيد والإصلاح ثم باقي الحركات لهجوم استئصالي سرعان ما انتقل إلى الهجوم على الإسلام نفسه.

وهذا يسلمنا مباشرة إلى أن استغلال الدين لأغراض سياسية ليس تهمة خاصة بالإسلاميين-جميعهم- بل هي وسيلة ماكرة تستعمل من مواقع مختلفة ولغايات واحدة هي الهيمنة السياسية. وسيلة ليست قاصرة على دهاء الغرب ومكر الإنجيلية الصهيونية، ولكنها صارت عملة عالمية تستخدم في البلدان الإسلامية لتصفية الحسابات.

 يقدم لنا الغربيون دروسا ومواعظ كثيرة في فضائل الديمقراطية والتسامح وحريات الرأي، ولكنهم أول من يقول ما لا يفعل عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين.

وهناك عملة صعبة تكشف العملات المزيفة وترد الكيد والحسد الديني والحضاري، سلاح سلمي في وجه التعصب الأعمى والهجومات الاستئصالية، هو سلاح الإخلاص والتجرد والصفح والتسامح والعفو عن الخصوم والمخالفين، بل عن الأعداء والمتربصين، وتقديم النموذج الفائق في التدين الصحيح "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره".

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الصفح والعفو مقابل التعصب والحسد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7