الرئيسة قراءة في كتابنحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم
 
الخميس 9 ديسمبر 2010

عنوان الكتاب: نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم

اسم المؤلف : محمد الغزالي

الناشر : دار الشروق- القاهرة- مصر

تاريخ النشر : 1427 هج- 2007 م، الطبعة التاسعة

عدد الصفحات: 552 صفحة من القطع الكبير

 

تعاقبت جهود العلماء المسلمين في تفسير القرآن الكريم على مدى العصور وتنوعت مناهجهم في تفسيراتهم، فنجد تفسيرات نقلية تعتمد على المأثور وأخرى عقلية تعتمد على الرأى، وقد تكون تفسيرات فلسفية أو صوفية، كما توجد تفسيرات بلاغية وبيانية... وفي العصر الحديث تعددت محاولات التفسير واشتهر بعضها مثل تفسيرمحمد عبده وتفسير المنار لرشيد رضا، وتفسير سيد قطب المعنون في ظلال القرآن، والتفسير البياني لعائشة عبد الرحمن، وتفسير الشيخ الشعراوي والتفسير الموضوعي لمحمد الغزالي.

*  *  *  *

أصدر الشيخ محمد الغزالي ( 1917- 1996م ) تفسيره الموضوعي للقرآن الكريم لأول مرة في عام 1416 هج- 1995م ولهذا التفسيرعدة مزايا: أهمها أنه مكتوب بلغة عصرية بسيطة ومباشرة ومحددة ومناسبة من ناحية الطول فقد تفادى الغزالي التطويل والإسهاب- وهو أمر لا يناسب القارئ العادي المعاصر- كما تفادى الإيجاز الذي  يخل بإيضاح الأفكار. وهذه الميزة الأولى تجعل الكتاب مناسبا للقارئ العادي غير المتخصص في العلوم الدينية، وأيضا مناسبا للقارئ الذي يطالع تفسيرا للقرآن لأول مرة، وتجعله أيضا ملائما للمهتدين حديثا إلى الإسلام وغير الضليعين بتراث التفسير وكذلك لغير المسلمين الذين يودون القراءة في تفسير عصري للقرآن بلغة بسيطة واضحة. والميزة الثانية تتعلق بمنهج الغزالي في التفسير ونقصد به منهجه الموضوعي في مقابل المنهج المعتاد وهو المنهج الموضعي، ويقوم الأخير على تفسير القرآن الكريم بحسب ترتيب السور وبحسب ترتيب الآيات في كل سورة؛ فيفسر كل آية حسب موضعها في الترتيب، لكن ما هو التفسير الموضوعي؟

 التفسير الموضوعي له معنيان يحددهما الشيخ الغزالي- رحمة الله عليه- فيقول عن المعنى الأول " .. فهو يتناول السورة كلها يحاول رسم " صورة شمسية" تتناول أولها وآخرها وتتعرف على الروابط الخفية التي تشدها كلها وتجعل أولها تمهيدا لآخرها وآخرها تصديقا لأولها. لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع في السورة وإن كثرت قضاياها، وتأسيت في ذلك بالشيخ محمد عبد الله دراز عندما تناول سورة البقرة- وهي أطول سورة في القرآن الكريم- فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة، يعرف ذلك من قرأ كتابه " النبأ العظيم" وهو أول تفسير موضوعي لسورة كاملة فيما أعتقد "  حسب هذا التعريف فان التفسير الموضوعي يفسر السورة الواحدة بإيجاد الموضوع أو الموضوعات الرئيسة لهذه السورة والتي تندرج تحتها موضوعات أخرى فرعية. أما المعنى الثاني  فيحدده الشيخ الغزالي " .. وهو تتبع المعنى الواحد في طول القرآن وعرضه وحشده في سياق قريب، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الأساس. وقد قدمت نماذج لهذا التفسير في كتابي : المحاور الخمسة للقرآن الكريم، ونظرات في القرآن"

ولا يغني التفسير الموضوعي عن التفسير الموضعي، كما لا يغني الأخير عن الأول، بل الموضوعي تكميل للموضعي وجهد ينضم إلى جهوده.

هذه الميزة الثانية تتضافر مع الميزة الأولى في جعل هذا التفسير ملائما لنوعيات القراء السالف ذكرها، كما أن المنهج الموضوعي في التفسير يترك مساحة لفعالية القارئ في التأمل والتفسير والتفكير البناء، وصاحب المنهج نفسه يذكر لنا هذا بقوله " إنني أختار من الآيات ما يبرز ملامح الصورة وأترك غيرها للقارئ يضمها إلى السياق المشابه، وذلك حتى لا يطول العرض ويتشتت، والإيجاز مقصود لدي.."

*  *  *  *

يفسر الشيخ محمد الغزالي سور القرآن الكريم كلها حسب منهجه الموضوعي، وسنعرض بإيجاز لنموذجين من تفسيراته لنقترب أكثر من هذا التفسير الموضوعي وندرك ماهية هذا المنهج.

 

تفسير سورة الفاتحة: لا يشغل هذا التفسير أكثر من صفحتين وبضع سطور يحاول فيهما الشيخ الغزالي- رحمة الله عليه- بيان لب هذه السورة وموضوعها الجامع الذي تنضوي تحته معانيها المتعددة، ويبدأ بتحديد مكانتها " سورة الحمد من قصار السور ولكنها أم الكتاب وأعظم سوره"

والأمر الجامع لمعاني هذه السورة أنها " تضمنت خلاصة وجيزة لعقائد الإسلام، وعهدا وثيقا بين الناس وربهم يحقق رسالتهم في الوجود، ورجاء في الله أن يهدي الطريق ويمنح التوفيق وينعم بالرضا.." ويؤكد نفس المعنى بقوله " وهكذا في سطور قلائل تم تصوير العلاقة الوحيدة الممكنة بين الناس ورب الناس. الاعتراف به، والثناء عليه، والاستعداد للقائه والتعهد بعبوديته ثم الرجاء إليه أن يجعلنا كما يحب" والعلاقة الوحيدة الممكنة بين الله والناس هى القائمة على الإسلام، والإسلام هو دين الله الواحد الذي بلغه الأنبياء على اختلاف أزمانهم ومواطنهم، وأساسه أن الله واحد له الولاء وله الثناء، وإليه يفتقر أهل الأرض وأهل السماء، ومن ينكر هذه الحقيقة فإنه بين الضلال والغضب.

*  *  *  *

تفسير سورة البقرة: على الرغم من أن سورة البقرة هي أطول سور القرآن إلا أن تفسيرها لا يتجاوز خمسة عشرة صفحة، فحسب المنهج الموضوعي يقوم الشيخ الغزالي في تفسيره بالبحث عن الموضوعات الرئيسية في كل سورة ويقوم بإبرازها وتوضيحها وتوكيدها وبيان العلاقات بينها، ويترك القضايا الجزئية والتفصيلات الفرعية لفعالية القارئ في ضمها وإدراجها تحت عناوينها الرئيسية.

يبدأ الشيخ الغزالي ببيان الأجواء التي أحاطت بنزول آيات سورة البقرة وهي أجواء تأسيس المجتمع الإسلامي الأول في المدينة حيث دار الهجرة، وبينما كان المسلمون الأوائل يؤسسون مجتمعهم هذا تحت قيادة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان يواجههم أنواع ثلاثة من الأعداء: كفار قريش ويهود المدينة ومنافقيها، وتتصدي سورة البقرة في آيات كثيرة لتفنيد موقف اليهود من الرسالة الجديدة، ولتفنيد مواقفهم على مدى تاريخهم من الرسل والرسالات الأخرى، ويعتبر هذا منطقيا لأن اليهود صاروا هم العدو الأول للمسلمين في المجتمع الجديد، ويدعوالقرآن اليهود للدخول في الدعوة الجديدة " وأمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به "، ويبين الشيخ الغزالي المقصود هنا بقوله تعالى " مصدقا لما معكم" فيقول " وتصديق القرآن لما مع اليهود إنما هو تصديق على الإجمال، فأهل الكتاب ليسوا كعبدة الأوثان في الكفر بالله وإنكار الوحي الذي أنزل على المرسلين. إن القرآن يصدقهم فيما يذكرون من إيمان بالله وإثبات للوحي وتكليف للناس وحساب على الأعمال، لكنه لا يصدقهم حين يذكرون أن الله مثلا ندم على إغراق الأرض بالطوفان، ثم ندم على ما صنع واحتاج إلى من يذكره حتى لا يفعلها مرة أخرى!"

هذا التفنيد القرآني الطويل لليهود عبر صفحات سورة البقرة يفضي إلى قضية أعم تمثل واحدة من الموضوعات الرئيسية للسورة وهي قضية " الوحدة الدينية حسب المنظور القرآني"، ففي مقابل التعصب الديني عند المسيحيين واليهود " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين "  يدعو الإسلام جميع البشر للدخول في وحدة دينية سمحة تقوم على الفطرة السليمة والمنطق الواعي " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ودائرة الإيمان تشمل كل الأنبياء السابقين " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" والإسلام هو الوحدة الدينية الجامعة المنشودة لكل البشر، ويزيل الشيخ الغزالي لبسا حول كون جميع الرسل مسلمون مع أن الإسلام هو دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول " الحقيقة المؤكدة أن الدين منذ الأزل واحد: إيمان بالله وإصلاح للعمل وهما معنى الإسلام ..........  وقد جاء المرسلون قاطبة يعلنون معرفتهم بالله على الوجه الصحيح كما يعلنون طاعتهم لله في كل ما كلف العباد به" لكن لأن البشرية ضلت عن الإسلام الذي دعاهم رسلهم إليه كانت الحاجة إلى مجئ الرسالة الخاتمة؛ رسالة الإسلام لكي تصوب خطى البشرية الضالة

" بالنسبة إلى النصارى كان لابد من توكيد وحدانية الله وإظهار عيسى عبدا كسائر المخلوقات، مع الإشارة إلى أنه وحوارييه دعاة إلى الإسلام الحق، وبالنسبة إلى اليهود كان لابد من توبيخهم على كبرهم واستخلاص الوحي السليم من براثنهم وإظهار ان الله ليس له بجنس ما صلة خاصة" وبناء على المعنى الشامل للإسلام فإن الأتباع الأوائل لموسى وعيسى يندرجون مع أتباع سيدنا محمد في حكم الآية

 " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"

لكن هذا الحكم لا يمتد إلى أهل الكتاب اليوم " أما بقايا أهل الكتاب التي تعيش الآن ولا تدري ما الكتاب ولا الإيمان وتهرع وراء شهوات الدنيا مسابقة عبدة الأوثان فلن يقبل لهم زعم .. فكيف إذا انضم إلى عوجهم البادي حقد رهيب على الموحدين وإصرار على هدم مساجدهم وفض مجامعهم " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم"

*  *  *  *

وهكذا تمثل الوحدة الدينية الجامعة أو الدعوة إلى الإسلام وما تفرع عنها من نقد وتقريع لليهود موضوع رئيسي في سورة البقرة، واليهود هم أكبر تحد للرسول وللمسلمين في إنشائهم لدولتهم الجديدة، لكن هناك تحديات أخرى أهمها الدفاع عن الدولة الجديدة ضد الوثنيين وأيضا تأسيس هذا المجتمع الجديد على قواعد إيمانية وشرعية محددة وصيانة الأسرة المسلمة ركيزة هذا المجتمع.

إذن موضوع الجهاد هو موضوع رئيسي آخر في سورة البقرة، ويرى الغزالي أن القرآن الكريم قد تناول مسألة قتال الأعداء وشرحها شرحا ينفي عن الجهاد المشروع أية شائبة للعدوان، والمسلمون لا يحبون الحروب ولا يحبون الدمار والخسار وقد أقر القرآن هذه المشاعر الإنسانية مؤقتا " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" لكن هذا الحب للسلام لا يعني الاستسلام أو قبول الظلم والعدوان، وإذا كان القتال في الأشهر الحرم غير جائز إلا أن عدوان الكفار فيها على المسلمين شناعة فظيعة وتستوجب أن يدافع المسلمون عن أنفسهم " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه. قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحراموإخراج أهله منه أكبر عند الله" ومن هذه المقدمات نفهم الآية " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"  فهذه هي شريعة الجهاد وحكمها الخالد إلى قيام الساعة وهي جهاد المعتدين فقط وكل ما ورد في القرآن يتفق مع هذه الآية، ويتفق معها أيضا ما جاء في سورة براءة فالأمر بالقتال فيها لم يكن لقوم منصفين أو محايدين أو معتدلين، بل كان لقوم في قلوبهم لدد العداوة حسب وصف القرآن لهم " إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون" والقتال الصحيح يكون في سبيل الله وليس في سبيل مجد شخصي

أو منفعة خاصة وليس قائما على عنصرية بغيضة ولا لنهب ثروات المستضعفين كما نرى في الحروب الحديثة التي شنتها دول الغرب، فحروبهم هذه كانت في سبيل الشيطان.

*  *  *  *

وبناء المجتمع الإسلامي في المدينة يستلزم وضع آداب وتشريعات للأسرة، لذا يمثل موضوع الأسرة موضوعا آخر رئيسيا من موضوعات سورة البقرة، وقد تطرق القرآن في مواضع كثيرة لأحكام الأسرة والمرأة، وقد نزل نحو ثلثي القرآن قبل سورة البقرة وفيه بعض آيات المساواة بين الذكر والأنثى مثل الآية في سورة النحل " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" وكان ذلك بمثابة تمهيد لكي تأتي سورة البقرة فيما بعد بكثير من التشريعات المحددة في مجال الأسرة مثل النزاعات الأسرية والطلاق والإيلاء والخلع والولادة والرضاع، وكل هذه الشرائع يحفها ضوابط من الخلق والتقوى والإيمان، وذلك لإقامة الأسرة المسلمة على أساس متين. ويتطرق الغزالي إلى مسألة مكانة المرأة في الواقع الحالي ويأسف لظلم المرأة في بعض الأوساط الهابطة وهو أمر الإسلام برئ منه كما يحذر من تربص أجهزة التبشير بالنساء المسلمات " وقد رأيت أن أجهزة التبشير ترقب العالم الإسلامي بمكر وتحاول اختراقه من ثغرات تتوهمها أو تجدها، وقد رأت أن أعدادا من المسلمين تهين النساء وتستكثر عليهن ما آتاهن الشارع الحكيم فسعت إلى تنصير المرأة وإشاعة أن المراد إنقاذها من جور الإسلام!! وتوجد الآن جمهرة من المثقفات وقعن في هذا الشرك والسبب الأول بعض المتحدثين في الدين من الجاهلين والتافهين.."

*  *  *  *

في  نهاية الأمر يظل التفسير الموضوعي أحد المناهج- مثل التفسير الموضعي والتفسير البلاغي والتفسير بالمأثور والتفسير بالرأي-  التي يتعامل بها العقل المسلم مع القرآن الكريم، وهذه المناهج جميعا يجب النظر إليها على أنها مجرد

" مناهج مساعدة" تقدم للعقل المسلم أدوات ومقاربات تساعده في فهم الخطاب القرآني، وتختلف هذه الأدوات في فائدتها وفي مدى إثمارها المعرفي.. ومناهج التفسير عموما اجتهادات بشرية تخضع لما يخضع له أي فكر بشري من قصور ونقص وخطأ، لذا يظل أي تفسير للقرآن محكوما بهذا الإطار البشري، ويظل بمثابة منهج مساعد لا يغني عن " المنهج الأصلي" لكل عقل مسلم وهو منهج الاتصال المباشر بالقرآن الكريم بمداومة قراءته وتلاوته وتدبره وتأمل معانيه وأفكاره، والنظر في عمومياته وتفاصيله، وأيضا تطبيق مبادئه وقواعده وشرائعه في مجالات الحياة المختلفة.  

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7