الرئيسة من صفحات التاريخعام 2009معاناة الأندلسيين المسلمين عند طرد 1609م
 
الأربعاء 9 ديسمبر 2009

بسم الله الرحمان الرحيم. و الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه أجمعين.

اتسم تنفيذ قرار طرد المسلمين من إسبانيا سنة 1609 بهمجية و إجرام لم يسبق لهما مثيل. فالسلطات الإسبانية لم تكن تهدف فقط لطرد بقايا "المورو" بل عملت على استنزافهم و إذلالهم حتى في اللحظات الأخيرة من وجودهم على تراب موطنهم. لقد أبدى القشتاليون جشعا منقطع النظير و طمعا ليس فقط في الأراضي التي سيتركها المسلمون خلفهم, بل حتى في أغراضهم و ممتلكاتهم الشخصية, فقد أٌمهل الأندلسيون 3 أيام يتوجهون خلالها إلى نقاط تجميعهم لحملهم خارج البلد, و يحملون معهم ما يستطيعون من أموالهم, أما الأموال التي لا يستطيعون نقلها فينبغي أن تبقى سليمة, و أن الذي يخفي أو يحطم تلك الأموال سيحكم عليه بالإعدام, كما أن الملك فيلب الثالث قد منح تلك الأموال و الأشياء إلى النبلاء الذين سيرحّل تابعوهم المسلمين. (1)

و كمثال على ذلك ما فعل أحد نبلاء إسبانيا, حيث لمّا سمع الكونت دي كونيستينيا, و هو المشتهر ببخله و قسوته, جمع عماله المسلمين و حبسهم و أخذ منهم أموالهم كلها حتى تلك الأشياء الخاصة بالاستعمال الشخصي مثل الثياب و الجواهر. (2)

حتى تلك الأموال القليلة التي استطاعوا إخفاءها إلى حين الطرد كانت هدفا لهجمات عصابات فئة ممن تجردوا من الرحمة و المدفوعين بالكراهية و الرغبة في الحصول على الغنائم (3). لقد وصل الجشع بالأسبان ألّم يسمحوا للمسلمين ببيع الماشية و المحاصيل و الزيت ليبقى كل ذلك لصالح السادة. (4)

هذه العمليات و الإجراءات الإجرامية وصلت إلى آذان الملك فيليب الثالث عبر رسائل عديدة من المسؤولين عن الطرد يطلبون فيها تدخله لوقف هذا الإرهاب ضد المسلمين, لكنهم كانوا يطلبون الربح مما فيه خسران, فقد كان الملك مرتاحا و راضيا عمّا يحدث لبقايا المورو.

و أدناه نص لبعض تلك الرسائل, و الحق ما شهدت به الأعداء.

"رسالة ماركيز كاراثينا إلى صاحب الجلالة. بلنسية في 3 أكتوبر 1609.

سيدي:

إن أعمال السرقة و الأذى التي يرتكبها المسيحيون القدامى ضد المورسكيين في هذه المملكة تتزايد لدرجة أن كل الاحتياطات التي اتخذناها لا تكفي؛ بل يجب اتخاذ تدابير جديدة, و ذلك لعدم وجود طرق آمنة؛ فلقد مات 15 أو 20 موريسكيا في يومين أو ثلاثة, و قد سٌلِب من المورسكيين نقود كثيرة, إذ يرى المواطنون أن هؤلاء يحملون معهم كل ممتلكاتهم فيستغلون الفرصة. و نظرا لطبيعة هؤلاء الناس فإنني أدرك أن هذا بمثابة إجبار المورسكيين على الثورة رغما عنهم.

عدد المفوضين الموجودين معي حوالي 30, بالإضافة إلى الدكتور رودريغيث و الرئيس العام. و اعتبارا من اليوم سأرسل آخرين على أن يقوموا بتنفيذ القانون بصرامة حسبما يتطلب الوضع. و جلالتكم ستتخذون القرارات المناسبة.

حفظكم الله.

بلنسية في 3 أكتوبر عام 1609."(5)

لم يحرك الملك ساكنا, فراسل كاراثينا الملك يخبره أنه اتخذ إجراءات لردع المعتدين.

"بعد ذلك بأيام و بتاريخ 6 أكتوبر 1609م, أرسل ماركيز كاراثينا رسالة أخرى إلى الملك جاء فيها ما يلي:

إن عمليات الاعتداء التي يقوم بها المسيحيون القدامى في القرى ضد المورسكيين لتعساء كانت من الكثرة لدرجة أعجب أن المورسكيين لم يقابلوا ذلك حتى بمجرد توجيه السباب. لقد سُرق من مورسكيي الكوى و غورغا أغنام و دواب كثيرة. لقد أرسلتٌ الحٌجاب و أمرت بإعادة المسروقات, رغم أنه لم يمكن إعادة المسروقات كلها, و قد أمرت بنشر قرار يعاقب بالإعدام كل من يتعرض لحياة أو أمتعة المورسكيين.

هناك فرقة لصوص تنطلق من قرية دوق غانديا, و تسرق أغنام المورسكيين و تُلحق بهم الأذى, و يرأس هذه الفرقة حاجب كان يستعمله الذوق و اسمه خافير. سأحاول إلقاء القبض عليه و معاقبتهم بشدة."(5)

الأعمال الإرهابية التي عانى منها الأندلسيونأثناء الطرد دفعت بعضهمللاشتراك في مقاومة يائسة و مؤكد فشلها. و قد حدثت هذه الحركة في بعض القرى الجبلية داخل بلنسية, و قريبا من قشتالة :كوفرتيس, أجورا….لقد صعدوا بنسائهم و أولادهم على مرتفع كورتيس, و المنطقة خالية من مصادر تكفي لتغذية ذلك العدد الكبير. و قدموا عليهم رئيسا من كاتودو يدعى طوريقي الذي قام بتعيين أحد الفقهاء نائبا عنه, فجمعوا بعض الأسلحة, و قاموا ببعض الأعمال الدفاعية, و عندما أعلن اقتراب القوات النصرانية لجأ إليهم عدة آلاف من الأشخاص. لكن سرعان ما أخمدت الثورة, فمات البعض بالطلقات النارية و السيوف, و الأغلبية ماتت من العطش و الجوع و الإرهاق. أما الزعيم طوريقي فقد رفض الاستسلام و بقي معه بضعة مئات من الرجال, لكن تمّ القبض عليه و إعدامه في بلنسية. (6)

نفس الأمر حدث في لامارينا بأليكانتي حيث توجد أغلبية أندلسية فرّت إلى أعالي الجبال فحاصرهم الجيش النصراني عدة أيام ثم هجموا عليهم, فحدثت وقائع تقشعر لها الأبدان, و لم يكن هناك توقف في العمليات. و هرب الذين بقوا على قيد الحياة, و سادهم الذعر من شدة العطش, و مات بعضهم لشربه ماءا كثيرا. و قد وصف كل من فوينسيكا و إيسكولانا تلك الأحداث وصفا يسبب القشعريرة. يقول إيسكولانا:"في مرتفعات بوب كان يوجد عدد كبير من القتلى, أما الآخرون فقد وصلوا إلى حالة كبيرة من التعاسة, و كان الآباء يتركون أولادهم لمن يعرفونهم من النصارى بسبب الجوع, بل وصل الأمر أنهم كانوا يبيعونهم للجنود الأجانب مقابل قطعة من الخبز أو حفنة من التين, كانوا يمشون في الطريق إلى الرحيل و قد سادهم الضعف, و قد أٌخذ منهم أبناءهم ونساؤهم؛ و حتى الثياب التي كانوا يحملونها نزعوها عنهم, لدرجة أن أحدهم يصل إلى السفينة نصف عار أو عار تماما.)(7)

يقول د.علي الكتاني رحمه الله, مجملا حال الأندلسيين أثناء الطرد:"لكن أملهم في الخروج بسلام لم يتحقق, إذ لم يرحمهم عدوهم, فصاحبت عمليات الطرد جرائم و فظائع لا تتصور. فقد أمرتهم السلطات بحمل ما استطاعوا من أمتعتهم, على ظهورهم. ثم عندما أخذوا يبيعون مواشيهم و دوابهم و منتوجاتهم الزراعية, من حبوب و زيوت و غير ذلك, للنصارى بأبخس الأثمان, منعوا و أعطي ذلك للنبلاء النصارى. ثم تكونت في الطرقات عصابات من النصارى, تسطوا عليهم و نجردهم مما يحملون من حلي و مال و يقتلون منهم من شاؤوا, و شارك في النهب و السبي و القتل أفراد من الجيش الذين يحرسونهم. ثم قررت الدولة أن يكون ترحيلهم على حساب بحيث يدفع غنيهم عن فقيرهم. و أغرق أصحاب السفن النصارى كثيرا من المورسكيين الذين نقلوهم, لسلب أموالهم, بينما كان في مأمن أكبر من نقلتهم سفن الحكومة."

"و قد وصف قوافل المرحلين المورسكيين شاعر إسباني معاصر بأبيات مؤثرة:

فرقة من المسلمين والمسلماتتمشي وهي تسمع من الجميع الشتائمهم يحملون الثروة والأموالوهن يحملن زينتهن والملابسوالعجائز بأحزان وبكاءالتوى وجههن وشكلهنمحملات بجواهر مزيفةوأواني الطبخ ومقلات وقرب وقنادلوعجوز يحمل طفلا بيدهوالآخر على صدر أمه الحنونو ثالث شاب قوي كالطريانيلا يتأخر عن حمل أبيه"

أما الثروة و الأموال التي ذكرها الشاعر, فهي من باب التهكم إذ لم تترك الدولة منها للمورسكيين شيئا." (8)

و وصف أزنار كاردونا جو البؤس و الآلام التي مرّ بها المطرودونقائلا:" كانت جماعتهم تمر في فوضى كاملة, يختلط فيها الراجلون مع الفرسان, يتجاذبون و هم يتقطعون بالآلام و ينفجرون بالدموع, يرتفع منهم ضجيج كبير و صراخ محملون بأطفالهم و نسائهم و مرضاهم و عجزتهم, يغطيهم العرق و الغبار, بعضهم يركب فوق العربات يزاحم أمتعته, الثمينة و التي لا قيمة لها…و آخرون يمشون على الأقدام, منكسري الجناح, لباسهم رديء …و كلهم ينظرون إلى النصارى الذين يتفرجون عليهم, ويقولون لهم:"ليحرسكم الله أيها السادة, استودعناكم الله"…و تمشي النساء بين الرجال, منهن فتيات مثقلات بألبسة…تغطي الآلام قلوبهن…و أخريات تمشين على الأقدام, تظهر علامات التعب و الألم و الضياع على وجوههن. يتألم الجميع آلاما شديدة, و تتقطعهم مرارة عظيمة, و كثير منهم يتساقط على جانب الطريق ميتا من الحزن, بينما يضطر الباقون إلى دفع ثمن الماء و الظل, لأن الفصل كان صيفا". (9)

قضية الأطفال المسلمين.

تحت ضغط الأساقفة الذين رفضوا طرد الأطفال المعمّدين إلى بلاد إسلامية حيث لا محال سيعودون للدين المحمدي, أمرت السلطات الإسبانية الآباء المسلمين بمملكتي أندلوسيا (حاليا) و مرسية بترك الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سبعة أعوام إلا إذا كانوا سيذهبون لأرض نصرانية, و قد كان هذا هو السبب في قطع الكثيرين لطريق طويل إلى شمال إفريقيا عن طريق فرنسا. و بعضهم رحل عن طريق الموانئ الأندلسية متصنعا الذهاب إلى فرنسا أو إيطاليا, و لكنهم فيما بعد اتفقوا مع الملاحين لحملهم إلى إفريقيا. و على الرغم من هذا فقد بقي ثلاثمائة طفل في أشبيلية, تكلفت الكنيسة بطعامهم و تعليمهم. (10)

و قد لاقى الأندلسيون اضطهادا شديدا بفرنسا, حيث وصل الأمر بالفرنسيين أن قاموا بابتزازهم و باعوا لهم مياه الأنهار للشرب, و عملوا على تنصيرهم و استنزاف أموالهم و سرقتهم و السطو عليهم, وقام ربابنة السفن الفرنسية بخيانتهم شر خيانة حيث أخذوا منهم ثمن الرحلة إلى شمال إفريقيا و ألقوهم في عرض البحر توفيرا لثمن الرحلة. حتى روي أن نوعا من أسماك تلك البحار سمّي "بالسردين الغرناطي" لكثرة من غرق فيه من المسلمين. (11)

فلمثل هذا يذوب القلب من كمد —- إن كان في القلب إسلام و إيمان.

و لتفتخر إسبانيا بهذا الماضي العنصري الإرهابي, و لتهنأ فوق أرض عبّدتها بجماجم المسلمين, و لتسعد "راعية حوار الأديان" بتطهيرها العرقي الذي بفضله حافظت على وحدة العقيدة الكاثوليكية بأرض حواري يسوع القديس سانتياغو, قاتل المسلمين بموقعة كوفادونغا.

الهوامش

(1)"تاريخ مسلمي الأندلس المورسكيون: حياة…و مأساة أقلية". تأليف أنطونيو دومنغيز أورتيز و برنارد بانسان. ترجمة عبد العال صالح طه. ص 224.


(2)نفس المصدر. ص 225.


(3)نفس المصدر ص 227.


(4)نفس المصدر ص 228.


(5)"المورسكيون الأندلسيون" تأليف غارثيا مرثيدس أرينال. تعريب جمال عبد الرحمان. ص 253-254.


(6)"تاريخ مسلمي الأندلس المورسكيون: حياة…و مأساة أقلية". تأليف أنطونيو دومنغيز أورتيز و برنارد بانسان. ترجمة عبد العال صالح طه. ص 228.


(7)نفس المصدر ص 229.


(8)"انبعاث الإسلام بالأندلس" د. علي المنتصر الكتاني. ص 164-165.


(9)"انبعاث الإسلام بالأندلس" د. علي المنتصر الكتاني. ص 170-171.


(10)"تاريخ مسلمي الأندلس المورسكيون: حياة…و مأساة أقلية". تأليف أنطونيو دومنغيز أورتيز و برنارد بانسان. ترجمة عبد العال صالح طه. ص 232.


(11)انظر "المسلمون المنصّرون" لعبد الله محمد جمال. ص 395, الذي نقل هذه المآسي في فرنسا من بحث للباحث الفرنسي لوي كارديلاك "Procés pour abus contre les morisques en Languedoc"
 
 
   Bookmark and Share      
  
 معاناة الأندلسيين المسلمين عند طرد 1609م

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7