الرئيسة من صفحات التاريخعام 2009خايمي ماتوت رحمه الله…من شهداء الأندلس
 
الأربعاء 9 ديسمبر 2009
قضية خايمي ماتوت رحمه الله…

بسم الله الرحمان الرحيم. و الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه أجمعين.

عجيب ما ابتكرته محكمة التفتيش الإسبانية ”المقدسة” للإيقاع ب”أعداء العقيدة الكاثوليكية” من أصحاب ”المذاهب الهدّامة ” التي أرادت ضرب ”وحدة إسبانيا الدينية” و ”تهديد أمنها القومي”. ف”المسلم” صديق الترك و المغاربة, و ”اليهودي” الوباء المستشري في المجتمع و ”البروتستانتي-اللوثري” المدعوم من قبل فرنسا, هي سرطانات فتاكة في الجسد الإسباني وجب القضاء عليها قبل أن تودي بهذا الجسد الذي تعب من أجل سلامته إيزابيلا و فرناندو الكاثوليكيين –جعل الله مرقدهما حفرة من حفر النار-: ألم يطرد هذان الملكان اليهود سنة 1492؟ ألم يُسقطا آخر معقل إسلامي بالجزيرة الأيبيرية؟ ألم يستدعيا الكاردينال –الطاغية- ثينيروس Cisneros ليُنصّر المسلمين الغرناطيين؟

لكن كيف السبيل للتعرف على هذه ”الأورام” في مهدها حيث يكون القضاء عليها سهلا نسبيا؟ جواب أجابت عنه ببشاعة محكمة التفتيش, جواب سهل و تنفيذه أسهل منه, بل هو حل ”اقتصادي” لا يُكلّف الكثير و مُريح للمفتشين: كي نُحيط علماَ بأعداء ”الأمة الإسبانية”, على أبناء هذا البلد من النصارى المخلصين أن يتحولوا إلى جيش من الوشاة النمامين, جيش مخابراتي لا تقهره ”تقية المسلمين” و لا الغدر الذي قد تخفيه صدور اليهود.

فعلى الجندي النمام ألا يأكل الطعام حتى يسأل عن جاره المورسكي (المسلم سابقا) أو المُتحوّل (converso) (اليهودي سابقا) بأي كيفية أكل طعامه : هل حرص على الأكل باليمين؟ هل حرص على تجنب أكل لحم الخنزير؟ هل أكل جالسا على الأرض كما يفعل ”المورو”؟ هل رتّل كلاما قبل الأكل؟ كيف حاله مع الخمر؟ هل يصوم الكارسما ,رمضان أم يوم الغفران اليهودي؟

كما عليه و هو يهرش جسده, لاعنا القذارة و من سنّها, أن يتساءل : تُرى هل يغسل جاري المورسكي جسده؟ تُرى هل يغسل يده قبل الأكل؟ تُرى هل يتنظف بعد "قضاء حاجته في الخلاء”؟ تُرى هل يملك الصابون؟…

لقد كان على الجندي أن يطرح ألف سؤال و سؤال ثم يجيب عنها متجسسا على جاره ليحمل ملفا كاملا عنه إلى المفتشين الذين يستدعون المُتهم أو يأتون به إلى حضرتهم كي ”يشقوا” عن فؤاده ليتحققوا أ نصراني هو حقا أم كذاب, منافق, مرتد. لقد كان للمفتشين هذه السلطة ”التقديرية” التي وهبها لهم البابا عطاءا من عند يسوعهم –زعموا و العياذ بالله-.

لقد تحوّلت حياة المورسكي إلى جحيم لا تكف فيه أعين الوشاة عن مراقبته أينما حل و ارتحل, فأي كلمة طائشة قد تقوده إلى المحرقة, و أدنى حركة , حتى من غير قصد اتجاه مقدسات النصارى, قد تُحوّله إلى مجرد رقم في لائحة ضحايا ”النصرانية”.

هكذا صار لسان حال المورسكيين : أين المفر؟

لقد عملوا رحمهم الله كل ما في وسعهم لتجنب المكوث في المنازل و الأحياء حتى يبتعدوا و لو قليلا عن العين النمامة, فاشتغلت طائفة غير قليلة منهم بمهن تعتمد على كثرة التنقل كمهنة نقل البضائع و الأشخاص بواسطة البغال (البغالون). لكن حتى هؤلاء لم يسلموا حيث التقطتهم ”عدسات كاميرا التجسس” و هم يقومون بأفعال مخالفة للعقيدة ”الكاثوليكية”, كحال أخينا خايمي ماتوت رحمه الله و جعل الجنة مثواه.

كانت عادة البغالين في إسبانيا أن يتناولوا طعام الإفطار الصباحي بعد الانتهاء من حزم الأمتعة و ترتيبها فوق ظهور الأنعام. البغال خايمي ماتوت ابن بلدة سيغوربي لم يخرج عن هذه القاعدة إلا مرة واحدة كانت كافية لإرساله إلى محرقة محكمة التفتيش.

كان الشهر رمضان, و خايمي حرص على صيامه رغم أن طبيعة مهنته جعلته وسط غابة من الأعين النمامة, سواء أعين الركاب النصارى أو رفاقه في المهنة. ذات ليلة غفا خايمي فلم يستيقظ إلا وقد اقترب الفجر و دنا وقت خروج القافلة, فسارع إلى حزم الأمتعة لكن, لضيق الوقت, تولى و عاد مسرعا ليتناول طعام السحور فبل أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر. هذا التصرف أثار حفيظة النصارى الذين لم يتوانوا في إبلاغ السلطات عن هذه المخالفة المريبة. (1). فاعتُقِل خايمي و حُقِّق معه, و في سنة 1579م أحرقت محكمة التفتيش بكوينكا الشهيد –بإذن الله- خايمي ماتوت. (2)


صورة لبلدة سيغوربي

الهوامش:

1-أرشيف أسقفية كوينكاleg 274 n° 3787.


2-من كتاب ”Quand on brulait les morisques’’” للباحثة الفرنسية جان فيدال Jeanne Vidal. الصفحة 152.

كتبه هشام بن محمد زليم المغربي.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 خايمي ماتوت رحمه الله…من شهداء الأندلس

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7