الأحد 24 أكتوبر 2010

المستشار طارق البشري

فى أول مارس سنة 2008 أصدرت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة حكما يلزم الكنيسة الأرثوذكسية والبابا شنودة باستخراج تصريح زواج لشخص مسيحى مطلق. وكانت محكمة القاهرة الابتدائية الكلية للأحوال الشخصية قد حكمت من قبل بتطليقه من زوجته «طبقا لأحكام المادة 7 من لائحة الأقباط الأرثوذكس التى كان اعتمدها وأصدرها المجلس الملى بتاريخ 5 سبتمبر سنة 1938 ونصت على «أن من أسباب التطليق إساءة أحد الزوجين معاشرة الآخر مما يؤدى إلى استحكام النفور بينهما واستمرار الفرقة لمدة ثلاث سنوات متتالية».

فلما طلب الزوج المطلق تصريحا من الكنيسة بزواج ثان له رفضت الكنيسة بالقول إن سبب التطليق الأوحد فى الإنجيل هو الزنا الذى لم يتحقق فى هذه الحالة، أقام الرجل دعواه أمام محكمة القضاء الإدارى طالبا إلغاء قرار الكنيسة برفض تزويجه فقضت له المحكمة باجابة طلبه ملزمة الكنيسة بالتزويج وذلك فى سنة 2006، فطعن البابا شنودة فى هذا الحكم محتكما إلى المحكمة الإدارية العليا، فرفضت طعنه مؤيدة حكم القضاء الإدارى المذكور سابقا. (صحيفة المصرى اليوم 2 مارس سنة 2008 ص5).

وأحكام مجلس الدولة بجميع مستويات محاكمه مستقرة منذ إنشائها فى أربعينيات القرن العشرين على عدد من الأمور؛ أولها: أن الكنيسة الأرثوذكسية وغيرها من الكنائس فى مصر هى هيئات عامة إدارية يخضع نشاطها للقضاء الوطنى، وثانيها أن قرارات هذه الهيئات فيما يمس المراكز القانونية للأفراد هى قرارات إدارية يختص مجلس الدولة بنظر النزاعات الخاصة بها والطعون التى ترفع ضدها.

وأن أمور الزواج والطلاق بالنسبة لتصريح الكنيسة بها أو رفضها هى من صميم ما يمس المراكز القانونية للأفراد المتعاملين معها، ولو أن سوابق أحكام مجلس الدولة وفتاواه على مدى العقود السابقة أدخلت فى جهاز حاسب إلكترونى بالنسبة لما يمس هذا الموضوع، ثم أدخلت عليه هذه الحالة الأخيرة لصدر الحكم المذكور بنصه وأسبابه.

وقد ذكرت المحكمة فى حكمها المشار إليه أنه لا يجوز أن يباشر الرئيس الدينى اختصاصه بمنأى عن رقابة القضاء، وأن البطريرك برفضه التصريح بالتزويج لرافع الدعوى «قد جاوز سلطاته المفوضة له بموجب قواعد شريعة الأرثوذكس» بمعنى أنها طبقت عليه شريعة الأرثودكس المحلية المتمثلة فى لائحة صادرة من مجلسهم الملى والتى سرت منذ سنة 1938. والمجلس الملى وإن كان بالانتخاب فإن رئيسه البطريرك على مدى عمره كله.

وقد صدرت اللائحة فى عهد البطريرك يؤانس التاسع عشر، واستمرت باقية معمولا بها بنصها على مدى عمره حتى 1942 وتبعه بعدها البطريرك مكاريوس الثالث حتى سنة 1945، ثم تبعه البابا يوساب الثانى حتى سنة 1956، ثم البابا كيرلس السادس حتى سنة 1971، حيث تولى البابا شنودة الثالث البطريرك الحالى، وهذا البطريرك كان له رأى جهير ضد بعض أحكام اللائحة لأنه يرى أن الإنجيل يحصر سبب الطلاق فى الزنا فقط، إلا أنه لم يعدل هذه اللائحة ولم يصدر من المجلس الملى الذى يرأسه تعديل بهذه الأحكام على ذات اللائحة إلا فى 2 يونيو سنة 2008، إذ صدر قرار المجلس الملى برئاسته ونشر بالوقائع المصرية بالعدد رقم 26 فى 2 يونيو 2008، معدلا بعض مواد اللائحة وحصر سبب الطلاق حالة الزنى وما فى حكمها الذى حدده القرار. ونصت المادة الرابعة من التعديل المنشور «تنشر هذه التعديلات بالوقائع المصرية ويعمل بها بعد شهر من اليوم التالى لتاريخ نشرها» ووقع القرار بالتعديل «رئيس المجلس الملى العام قداسة البابا شنودة الثالث».

ومعنى ذلك أنه من الناحية القانونية والقضائية، ومما أقر به الأنبا شنودة ذاته ووقع به على تعديل اللائحة، أن اللائحة بنصها القديم قبل التعديل تبقى سارية بأحكامها كلها حتى تاريخ العمل بالتعديل الذى أدخل عليها والمعمول به من 2 يوليو سنة 2008، وبهذا يكون قضاء المحاكم بأحكام اللائحة قبل التعديل على الوقائع والحالات السابقة على 2 يونيو 2008 يحمل وجهة نظر لا خلاف بشأنها، مما أقر به الأنبا شنودة ذاته ونص عليه فى المادة الرابعة من التعديل.

ومع ذلك اعترضت الكنيسة على هذا الحكم، على الرغم من أنها هى من قدم الدعوى فى الطعن إلى المحكمة العليا، أى أنها قبلت سلفًا الاحتكام إليها، فلما صدر الحكم على غير ما تريد امتنعت عن تنفيذه، وصرح أسقف شبرا الخيمة الأنبا مرقس بـ«أن الكنيسة لا تخضع إلا للكتاب المقدس الذى حدد أسباب الطلاق، وشدد على أن الكنيسة لن تخالف القانون الإلهى من أجل قانون إنسانى» وتابع «لا يوجد إنسان يستطيع إملاء قوانينه على الكنيسة»، «لا أحد يفرض قوانينه علينا» (المصرى اليوم ــ العدد السابق ص1).

ثم أكد هذا المعنى ذاته الأنبا شنودة فى عظته يوم الأربعاء 5 مارس 2008، «شن هجوما ضاريا على حكم المحكمة الإدارية العليا بمنح تصريح الزواج للمطلقين مرة أخرى، مشيرا إلى أن الحكم غير صائب وغير ملزم لنا، فلا نعترف سوى بتعاليم الإنجيل، ولن نخالف ضمائرنا وأحكام الكتاب المقدس فما يقوله الرب يطاع وليس ما يقوله الناس»، (صحيفة الدستور 7/3/2008 ص3).

وفى وقت لاحق طالب البطريرك بإصدار قانون الأحوال الشخصية الموحد لغير المسلمين وهدد قائلا: «أو يظل الصراع بين الدولة والكنيسة قائما» (الدستور 23/5/2008 ص3)، ثم فى 2/4/2008 أعاد ذات المعنى فى حديث مع الأستاذة سناء السعيد فى صحيفة الأسبوع وذكر أنه لا يستطيع أن يقول إن حكم المحكمة غير مضبوط، ولكن الكنيسة تملك أن تقول: «لا أستطيع أن أزوج هؤلاء مرة ثانية لأننى لست قادرة على اعتماد الطلاق حسب قواعد الدين».

وإن قوله هذا ينطوى على معنى عكسى لما يتعين أن يكون عليه الحال، فإننا نستطيع أن نقول إن حكم المحكمة قد جانبه الصواب من وجهة نظر القائل لأنه فى النهاية من أفعال البشر، ولكننا نلتزم بما حكمت به المحكمة فى هذه الحالة ما دام حكما نهائيا غير قابل لطعن قضائى من جهة قضاء أعلى. أما أن يكون للكنيسة ألا تنفذ حكما نهائيا، فهذا خروج على الدولة قضاء وقانونا بما تمثله الدولة من تعبير عن الجماعة الوطنية، وهو خروج على الشرعية السائدة فى المجتمع، بمعنى أن القول السابق من شأنه أن يخرج الكنيسة بإرادتها من الخضوع للدولة الممثلة للجماعة الوطنية.

وقد تكرر هذا الواقع السابق فى سنة 2010، إذ أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمين فى أوائل شهر يونيو 2010 بإلزام الكنيسة بإصدار قرار زواج ثان للحاصلين على أحكام التطليق، فأذاعت القناة الفضائية للكنيسة قولا للأنبا شنودة: «لا أحد يلزمنا بغير تعاليم الإنجيل» وأصدرت إبراشية الجيزة للأقباط الأرثوذكس بيانا وقعه الأنبا دوما دويوس مطران الجيزة تيوتيدوسيوس أسقف عام الجيزة. وذكر البيان «نعلن رفضنا لأى قوانين وقرارات وأحكام تلزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمخالفة شرائع وتعاليم الكتاب المقدس» وأعلن القمص متياس نصر منقريوس رئيس تحرير مجلة الكتيبة الطيبية عن تنظيم مظاهرة لتأييد البطريرك فى موقفه من حكمى المحكمة الإدارية العليا، وذكر فى بيان إذاعة «ندعو كل الأقباط للتظاهر عقب عظة البابا الأسبوعية بالكاتدرائية الأربعاء المقبل» (صحيفة الشروق 7/6/2010 ص1) وهدد العديد من القساوسة بالدخول فى اعتصام مفتوح مع رعاياهم فى حالة التفكير فى المساس بالبابا شنودة وأعلنوا أن الغد الأربعاء سيكون «يوم الغضب القبطى».

وأعلن منير مايكل رئيس منظمة أقباط الولايات المتحدة لبعض مطارنة الكنيسة بمصر أن أقباط المهجر يقفون بجانب البابا شنودة (المصرى اليوم 8/6/2010 ص1) وأصدر المجلس الملى العام بيانا مدفوع الأجر نشرته صحيفة الأهرام فى 8/6/2010 بأن أعضاءه يؤيدون الأنبا شنودة الثالث فى تصريحاته بوجوب الالتزام بنصوص الكتاب المقدس، واستبعاد أن يجرؤ أحد على تغييرها، وتمنى ألا توجد «أى خلافات بين الكنيسة والدولة».

ولاشك أنه يقصد بالدولة هنا جميع مؤسساتها ومنها الهيئة القضائية فيما تصدره من أحكام، والدولة فى هذا المفهوم الذى استخدمه البيان هى بكل مؤسساتها توضع أمام الكنيسة صنوا لها وندا، والكنيسة بذلك ليست هيئة من الهيئات الخاضعة لمؤسسات الدولة. ثم أصدر المجلس الملى العام بيانا ثانيا وقعه كل أعضائه يؤيد الموقف السابق ونشر مدفوع الأجر فى صحيفة الأهرام فى 9/6/2010.

أصدر المجمع المقدس برئاسة الأنبا شنودة الثالث بيانا أعلنه فى مؤتمر صحفى ظهر يوم 8/6/2010، «أن الكنيسة القبطية تحترم القانون ولكنها لا تقبل أحكاما ضد الإنجيل وضد حريتنا الدينية التى كفلها الدستور، كما نعلن أن الزواج عندنا هو سر مقدس وعمل دينى.. والشريعة الإسلامية تقول احكموا حسبما يدينون...» وأن المحكمة «لا تستطيع أن تصدر حكما ضد الشريعة الإسلامية» (الشروق 9/6/2010 ص1).

وكان من وقعوا على بيان المجمع واحدا وثمانين من الأساقفة، وذكر البطريرك أن قرارهم «يعبر عن رفضنا الكامل للحكم حتى لا يكون الأقباط تعبانين ومضغوطا عليهم فى دينهم (المصرى اليوم 9/6/2010 ص1 و6) واجتمع نحو ألف قبطى فى ساحة الكاتدرائية وفى حضور البطريرك، وألقى البطريرك عظة حضرها نحو خمسة آلاف قبطى ونحو سبعمائة كاهن من جميع الإبراشيات واعتدى بعضهم - المتظاهرون -على نبيل لوقا بباوى عضو مجلس الشورى بالضرب وهشموا سيارته متهمينه بالعمالة والخيانة والعمل لصالح الدولة ضد الكنيسة» (صحيفة المصرى اليوم 10/6/2010) وأعدت نحو خمسين لافتة بالحجم الكبير يعلن بها شعب الكنيسة «تأييده التام للبابا شنودة ضد أى أحكام قضائية مخالفة للإنجيل»، كما أطلقت مواقع الإنترنت حملة توقيعات «ضد حكم القضاء» (الشروق 10/6/2010).

وثمة مسألة يتعين تجليتها هنا، فإن القائلين بتطبيق الشريعة الإسلامية من المسلمين بمصر، ويطلبونها ويدعون إليها، إنما يطلبون أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا للقوانين التى تصدرها الدولة بمعنى أنهم يخضعون للقوانين الوضعية القائمة ويخضعون للقضاء المصرى الذى يصدر أحكامه لهم أو عليهم طبقا لهذه القوانين الوضعية، فهم يطالبون بتغييرها دون عصيان ورفض لانطباقها عليهم.

والأزهر نفسه تصدر أحكام القضاء ضده بإلزامه مثلا بأداء مبالغ معينة مستحقة عليه لأفراد أو شركات أو مقاولين، ويحكم عليه بأن يؤدى الفائدة المقررة على هذه المبالغ طبقا للقانون الوضعى المخالف للشريعة الإسلامية ولنص القرآن الكريم فى هذا الشأن، وهو ينفذ هذه الأحكام لأن كل المطلوب ليس إنكار الخضوع لقوانين الدولة ولقضائها ولكن أن تعدل القوانين وفق مرجعية فكرية معنية، وهذا الموقف يختلف تماما عما ظهر من العرض السابق بالنسبة لموقف الكنيسة وهيئاتها.

وقد حاول الأنبا بسنتى أسقف حلوان أن يوضح للرأى العام معقولية ما تراه الكنيسة من حكم يتعلق بقصر سبب التطليق على علة الزنى فقط ودوام علاقة الزواج وإن استحكمت النفرة بين الزوجين، فذكر أن آدم واحد وأن حواء واحدة لم تتعدد «والزواج مثل البطيخة إما حمراء أو قرعة، فإذا وجد الزوجان بعد الزواج أنفسهما غير متفاهمين أو متوافقين فعليهما أن يتحملا ولا يشكوا من أنهما لم يوفقا فى الاختيار، وعلى الطرف المتضرر أن يحمل صليبه ويتحمل تماما كمن أصابه مرض الطاعون أو السرطان فلا يلجأ للانتحار، بل يتحمل ويعتبر الأمر امتحانا من الله لقوة إيمانه، لذلك أطلقنا عليه فى المفهوم الكنسى «صليب الزواج مثل صليب الفقر والمرض» (صحيفة صوت الأمة 12/6/2010 ص11) وهذا ما وجده غبطته معبرا عن معقولية الرأى الذى يتبناه فى فهمه لحكم التطليق على خلاف ما كان واردا بلائحة 1938.

كما ذكر الأنبا بولا أسقف طنطا أن حكم مجلس الدولة «توثيق لاضطهاد أقباط مصر، هو لا يمثل اضطهاد فرد لفرد، لكنه اضطهاد تمارسه الدولة كلها ضد الكنيسة»، وأنه يدخل فى «الأحكام الكارثية.. سيؤدى إلى صدام بين الدولة والكنيسة» وأن أقباط الخارج مهتاجون «ولهم اتصالات بصانعى القرار بالخارج» (صحيفة الفجر 14/6/2010 ص7) ولخصت هذه الصحيفة الموقف بقولها إن جماعات الفيس بوك أعلنت أنها «ستقلب البلد عاليها واطيها لو صدر قرار بحبس أو عزل قداسة البابا شنودة»، يشيرون بذلك إلى أن المادة 123 من قانون العقوبات المصرى تنص على عقوبة العزل والحبس لأى شخص عام يمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء، كما ذكرت أن أقباط المهجر يؤكدون للبطريرك دعمه وأنهم يمكنهم أن يمولوا أى حركة لجبهة المليون وشباب حركة شباب مصر، وكل ذلك أدى بالصحيفة لقولها: «بدا أن الكنيسة تواجه حربا أو أنها هى التى تسعى إلى حرب تثبت خلالها أنها موجودة وأن أحدا لا يمكن أن يجبرها على شىء (الفجر 14/6/2010 ص7).

إن المسألة التى كانت مثارة متعلقة بزواج المطلق ليست بذات شأن فى حجمها، إنما الشأن كله فى أنها استغلت من جانب الكنيسة وهيئاتها ورجالها لإعلان الخروج على الشرعية التى تقوم عليها أجهزة الدولة المصرية وقد أعلنت جهارا بكل هيئاتها أنها لا تلتزم بأحكام القضاء ولا بأحكام لائحة المجلس الملى لسنة 1938، ولا حتى بتعديل الأنبا شنودة لها الذى أقر فيه بأنه لا تسرى أحكام التعديل إلا اعتبارا من 2 يوليو 2008، ولا بالقوانين المصرية من باب أولى، إلا إذا كانت توافق ما تراه الكنيسة ـــ حسب قول البطريرك فى كل حين. فالمسألة تثير بشكل مباشر علاقة الكنيسة بالدولة كما ذكر الأنبا بولا فى حديثه السابق، والدولة كما نعرف هى المعبر عن الجماعة الوطنية المصرية، والحاصل أن هذه العبارات التى عبر بها رجال الكنيسة وهيئاتها عن موقفهم الفكرى والسياسى أحسبها أشد غلوا مما يستعمله غلاة المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية حسبما سبق البيان.

إن المسألة التى ينبغى تناولها فى هذا المقام هى مسألة مدى خضوع الكنيسة المصرية بوصفها إحدى هيئات المجتمع المصرى لسلطة الدولة المصرية المعبرة عن الجماعة الوطنية المصرية بجمعها كله، ولكى نتصور الموضوع الذى نتكلم عنه، فإن الأصل أن جميع المصريين بوصفهم أفرادا وهيئات خاصة هم خاضعون لسلطات الدولة وهيئاتها العامة، وهم يتعاملون معها حسب تنوع هذه الهيئات العامة وتوزيع اختصاصاتها، والأصل أيضا أن الدولة ليست كيانا واحدا، إنما هى تتكون من سلطات ثلاث، تنفيذية وتشريعية وقضائية، وكل من هذه السلطات الثلاث يتولى مهام محددة ويخضع لرقابة السلطتين الأخريين فى مجالات حددها القانون ورسمها. وكل من هذه السلطات الثلاث أيضا تتكون من هيئات عديدة توزع اختصاصات العمل عليها جميعا، وكل من هذه الهيئات تخضع لغيرها من الهيئات الأخرى فى نوع اختصاص كل هيئة وهكذا، وعلم القانون لا يعرف إلا السلطات المقيدة، لأن كل سلطة تمارس عملا جزئيا وتخضع فى غيره إلى غيرها من السلطات وهكذا. ومن هنا يبدو موقف الكنيسة فى الشأن الذى سبق إثباته عجيبا، لأنه ينظر إلى الدولة بحسبانها كلا شاملا وإلى الكنيسة بحسبانها كلا شاملا مفارقا ومغايرا.

ولا شك طبعا أن أحكام الإنجيل تسرى فى العبادات على المسيحيين، ولكن الكنيسة أطلقت الأمر، فلم نعد نعرف ما الذى تقصده بالعبادات إلا ما تراه هى وما تقرره بواسطة البطريرك، كما لا نعرف ما هو حكم الإنجيل الذى تقصده فى كل حالة مخصوصة، إلا ما تراه هى وما تقرره بواسطة البطريرك، وهو سبق أن أنكر لائحة 1938 الصادرة من المجلس الملى والسارية فى عهد أربعة من البطاركة السابقين عليه وفى عهده هو التى لم يعدلها بتوقيعه إلا اعتبارا من يوليه 2008 على الحالات التالية، ومن ثم فإن الحديث كله يتعلق بسلطة الكنيسة وبشريعة يكون البطريرك هو من يصدرها ولا يلزم المسيحيين سواها.

ثمة صور أخرى صادف أن عرفناها من الصحافة فقد ذكر أسقف شبرا الخيمة الأنبا مرقس أنه فى «الإبراشية فى شبرا لا يستطيع الشاب أن يرتبط أو يتزوج دون أن يستخرج بطاقة انتخابية» ويذكر الأنبا بسنتى أسقف المعصرة وحلوان أنه فى إبراشيته يطالب من يريد الزواج بالحصول على بطاقة انتخابية ويأخذ عليه تعهدا باستخراجها سريعا، وقيل إن البطريرك أصدر تعليمات بهذا إلى الإبراشيات كلها (مجلة آخر ساعة 28/1/2005 ص12) وهدف ذلك السياسى واضح، وهو أن البطريرك بعد أن امتلك ناصية الغالبية الغالبة من القبط بغير منافس له عليهم، يريد أن يجعلهم قوة انتخابية تثقل موازينه لدى رئاسة الدولة فى انتخابات الرئاسة أو المجالس النيابية.

ولكن ما أريد الإشارة إليه هنا هو أنه يضغط بوصفه الدينى المؤسس على القبطى الراغب فى الزواج ليحقق له هذه المكنة. ولم يعرف بأى حكم فى الإنجيل يجرى هذا الأمر وبأى تأويل لأى نص يعتبر ذلك فرضا كنسيا.

ونحن نعرف ما حدث لوفاء قسطنطين بعد أن أشهرت إسلامها فى أواخر سنة 2008، وأسلمتها سلطات الدولة المصرية للكنيسة، وغابت وفاء من يومها عن الحياة المشاهدة فى الوطن المصرى، وألقى بها فى غياهب ما يسمى بالأديرة أو بيوت التكريس.

وكلما ثار السؤال عنها يجيب البطريرك أو أحد أعوانه بقول ليس له ثان، وهو أنها مسيحية كما أثبتت ذلك أمام النيابة العامة ولم تعد ثمة مشكلة (على سبيل المثال حديث البطريرك للأستاذ عبداللطيف المناوى فى القناة الفضائية المصرية فى 27/9/2010) وإجابة البطريرك هذه هى عين ما يثير السؤال المهم وهو: هل مفاد كون المسيحى مسيحيا فى مصر أن تسيطر عليه أجهزة الأنبا شنودة فيختفى بين جدران مبانيها ولا يحق لمواطن مصرى من بعد أن يسأل عنه، لأنه بموجب مسيحيته قد صار بالحتم إلى تبعية أخرى غير التبعية المصرية العامة التى تجمع المصريين كلهم وتقوم عليها الدولة، إن هذه الإجابة السابقة تصدر عن موقف آخر بأن القبط شعب آخر يقوم عليه البطريرك وكنيسته دون سائر المصريين دولة ومواطنين.

وعلى سبيل المثال فقد نشرت صحيفة المصرى اليوم (فى 20/3/2008 ص6) خبرا مؤداه أن من تُدعى «المكرسة أغابى يوحنا» لقيت مصرعها فى أكتوبر السابق، فتقدم أهلها بشكوى أنها ماتت مقتولة بحريق عمدى بسبب اضطهاد الأسقف رئيس الدير وبعض المكرسات لها، ثم ذكرت الصحيفة: «البابا أغلق الموضوع نهائيا بعد أن حقق فيه بنفسه وتأكد أن كل ما يقال مجرد شائعات مغرضة» مشيرا إلى «أن الوفاة كانت طبيعية ونتجت عن حريق فى المطبخ».

وهكذا فإن البطريرك يكون صار جهة تحقيق فى شبهة جريمة قتل لمواطنة مصرية فى دير، بما يشير إلى أن من المسيحيين فى الأديرة وبيوت التكريس من صار تحت سلطة البطريرك القضائية وليس تحت سلطة النيابة العامة التى نعرفها، وأن ما يحدث فى هذه الأماكن يستبد البطريرك وحده بالنظر فيه والتحقيق، ولو كان يتعلق بشبهة جرم جنائى بحق إحدى المواطنات.

ومن جهة أخرى، فنحن بلد لديه تعداد رسمى للمواطنين بمصر والقاطنين بها منذ مائة وثلاث عشرة سنة، من 1897، وأجرى خلال هذه الفترة اثنا عشر تعدادا شاملا، أجرتها الدولة المصرية فى عهودها المختلفة عبر هذه الفترة، إذ كانت محتلة من الإنجليز ثم مستقلة، وكانت ملكية ثم جمهورية ورأسمالية ثم اشتراكية ثم رأسمالية وتعددية ثم شمولية ثم بين بين، وقامت فيها من قديم ما سمى «مصلحة المساحة» قادها إنجليز وفرنسيون وأقباط مصريون ومسلمون مصريون.

ويتولى التعداد الآن منذ عقود عديدة جهاز سيادى يعرف بالجهاز القومى للتعبئة والإحصاء، وهو جهاز سيادى لأنه من المفروض أن السياسات المصرية فى أوقات السلم والحرب والأزمات إنما تعتمد على ما يكشفه من معارف ومعلومات، فهو مفروض أنه يسهم فى إدارة الشأن المصرى فى كل نشاط.

هذا الجهاز قدر المسيحيين فى مصر إلى عموم الشعب من المواطنين بنسبة 6.3? فى سنة 1897، وبنسبة 6.4? فى سنة 1907، وبنسبة 8.1? فى سنة 1917، وبنسبة 8.3? فى سنة 1927، وبنسبة 8.2? فى سنة 1937، وبنسبة 7.9? فى سنة 1947، ثم تعدلت سنة الإحصاء لإدخال المزيد من الأساليب العلمية به، فجرى إحصاء تجربة فى سنة 1960 كانت النسبة فىه 7.3?، ثم صارت 6.7? سنة 1966 فى التعداد العام الفعلى، ثم بنسبة 6.24? فى سنة 1976، ثم بنسية صارت إلى أقل من 6? فى تعداد سنة 1986، ثم امتنعت الحكومة فى التعدادين التاليين لسنتى 1996 و2006 عن إذاعة العدد ونسبته، بعد أن أثار أقباط المهجر لغطا واجهه النظام السياسى كعادته فى هذه الفترة الأخيرة بالتراجع والتكتم، والحاصل مما سبق أن خلال المائة والعشرين سنة الأخيرة، كانت نسبة الأقباط بمصر تدور حول 6? بأكثر قليلا أو أقل قليلا.

وهى تعدت هذه النسبة إلى ما يزيد على 7? أو 8? فى سنوات من 1917 إلى 1947 لان التعداد كان يشمل قوات الاحتلال البريطانى والجاليات الأجنبية، ثم عادت النسبة إلى ما كانت تدور حوله بعد جلاء القوات البريطانية وخروج كثير من الأجانب من مصر فى عهد ثورة 1952.

لكن البابا شنودة يذكر فى قناة OTV الفضائية فى 26/10/2008 «الكنيسة تعرف اعداد الأرثوذكس المصريين عن طريق كشوف الافتقاد التى تعد بمثابة تعداد داخلى لكل أسرة مسيحية بالكنيسة» ويذكر أن العدد هو 12 مليونا، ثم يقول: «نستطيع معرفة عدد شعبنا، ولا يهمنا العدد المعلن» (المصرى اليوم 27/10/2008)، وليس المهم هو الرقم المقول به، ولكن المهم هو طريقة البطريرك فى تناول الأمر بأنه يستطيع تعداد شعبه ولا يهمه «الرقم المعلن» وأن لديه أجهزة للتعداد لمن هم جزء من الشعب المصرى بمعزل عن الأجهزة المركزية ومع عدم الاعتراف بها، رغم أن قانون التعبئة والإحصاء والجهاز القومى للتعبئة والإحصاء إنما يعتبر الإحصاء والتعداد من الأمور التى لا تمارسها إلا السلطة العامة باعتبارها شأنا سياسيا لتعلقه بالشعب المصرى بعامة فى كل أنشطته وأوضاعه ويفرض عقابا جنائيا على من يمارس إحصاء عاما بشكل أهلى وبغير ترخيص من سلطة الدولة.

والكنيسة بذلك وفيما يذكره تمارس شأنا للأقباط لا يتعلق بالدين ولكنه يتعلق بالمعنى الجماعى الدنيوى بحسبانهم جزءا لا يتجزأ من المصريين.

وكذلك، فإنه عندما طالبت الكنيسة بإعداد قانون للأحوال الشخصية لغير المسلمين يتفق مع مذهبها الذى تبنته أخيرا فى عدم التطليق إلا لسبب الزنا، ومن المفهوم طبعا أن صدور القانون بما يرد فيه من أحكام تكون اعماله فى المحاكم المصرية العامة التى يخضع لها المصريون جميعا، ولكننا وجدنا الأنبا بيشوى الرجل الثانى فى الكنيسة يطالب بأن «تراعى المحاكم المدنية أحكام المجالس الاكليريكية التابعة لرئاسة كل طائفة مسيحية فى مصر ورأيها الشرعى عند بحث أى قضية أحوال شخصية فى الطلاق أو البطلان».

وذكر: «أنا أقصد أن المحكمة تعتبر المجلس الأكليريكى لكل طائفة مكتب خبراء للأحوال الشخصية فى القضايا الخاصة بهذه الطائفة أسوة بالطب الشرعى» (المصرى اليوم حديث 24/6/2010 ص13) والواضح فى هذا الطلب أن الكنيسة تريد أن يكون رأيها فى أى قضية هو الرأى الملزم للمحكمة، وهذا بطبيعة الحال ليس شأن الطب الشرعى ولا أى خبرة فنية تبدى أمام المحاكم، لأن أية خبرة فنية رسمية أو غير رسمية تبدى أمام المحاكم، يكون للمحاكم السلطة فى الأخذ بها أو رفضها حسب اقتناع المحكمة، أو تعيين جهة خبرة أخرى، ولكن الأنبا بيشوى فى طلبه إنما كان يريد أن تكون المحاكم ملتزمة بما تنتهى إليه المجالس الأكليريكية، وهذا النظر يعود بنا إلى المجالس الملية ونظام الملة القديم، ويجتزئ من شمول سيادة السلطة القضائية بحسبانها إحدى سلطات الدولة الثلاث.

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الكنيسة فوق القانون

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7